بقلم: مصطفي الفقي
لم يكن فى حسبانى أن أنال جوائز الدولة التشجيعية ثم بعدها بسنوات التقديرية ثم أحصل على جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية عام ٢٠١٠ وكان رفيقى فى نفس العام هو الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودى.
ورغم أننى حصلت على جوائز مبكرة فى منتصف ستينيات القرن الماضى من المجلس الأعلى للعلوم والفنون والآداب عن مقالين متتاليين أحدهما يسمى الحكم الهاشمى عربيًا والثانى بعنوان ذبائح الليل كما حزت كأس الخطابة فى أسبوع شباب الجامعات، ولم يقتصر الأمر على ذلك فلقد تلقيت تكريمًا من إحدى عشرة دولة بأوسمة ونياشين أعتز بها حتى الآن.
أقول ذلك وأنا أعلم أن هناك مدرستين تجاه مظاهر التكريم المختلفة للشخصيات العامة والنموذج فى ذلك - مع الفارق - الأستاذ هيكل الذى كان يرفض قبول الجوائز كليًا ترفعًا عنها وربما رفضًا للمساواة مع من يراهم دونه، وما أكثر التكريمات التى وصلتنى من المؤسسات الثقافية والجمعيات الفكرية والجامعات المصرية والعربية والأجنبية ولكن المرء ينظر إلى كل هذه المظاهر باعتبارها مجاملات بشرية لا تجدى نفعًا إلا عند كتابة نبذة عن شخصية معينة، ولقد اتسمت سنوات عملى مع الرئيس الراحل مبارك بأحداث جسام، ولازلت أشعر بأن التميز المبكر قد لا يكون فى مصلحة صاحبه، فلقد كنت سكرتيرًا سياسيًا لرئيس الجمهورية فى النصف الثانى من ثلاثينيات العمر وقد لا يكون ذلك مفيدًا لو تأملناه لأننا نطلب من الله حسن الخاتمة فى النهايات وليس بريق تألق البدايات، وقد أتاحت لى الظروف أن أرى عن قرب عددًا من الزعماء العرب والأجانب وأن أتمثل الأسلوب الذى يفكرون به وأكتشف الفارق بين العقلية الشرقية العربية الإسلامية وبين النموذج الغربى للرؤية الأجنبية البعيدة عن عقلنا العربى، ولقد مررت بمراحل متعاقبة من المعارف المتتالية والصداقات المتعددة حتى أدركت فى النهاية أن الأثر الحقيقى للإنسان الفرد إنما يكمن فيما يتركه من أثر فى عقل من عرفوه ووجدان من أحبوه، ولقد زارنى فى الهند عام ١٩٨٣ الأستاذ الدكتور إبراهيم بدران أستاذ الجراحة ورائد الطب المعروف هو والسيدة قرينته وطلبت السيدة الفاضلة زوجته التعرف على أحد العرافين المشهورين فى الهند وكنت أعرف اسم أحدهم والذى كان يثق فيه رئيس وزراء الهند الراحل نهرو، فبحثت عن ذلك العراف حتى اهتدينا إلى قريته بين ربوع شبه القارة الهندية وحددنا موعدًا بمنزله، ذلك العراف الذى انتحى بنا كل على حدة يقرأ له طالعه، وعندما جاء دورى همس العراف فى أذنى قائلًا: إنك على سفر قريب بعد شهر أو اثنين عائدًا إلى بلادك وسوف تكون فى القصر بعد ذلك، فأخذت حديثه باستخفاف شديد وابتسامة كبيرة ولم أقل شيئًا ولكنى همست فى أذن زوجتى قائلًا لها: على ما يبدو أننى أنتظر مرضًا طارئًا يدفع بى إلى مستشفى القصر العينى عند عودتى إلى القاهرة الشهر القادم، الغريب فى الأمر أن نبوءة العراف الهندى الشهير قد تحققت بالفعل وفى ذلك التوقيت الذى حدده ذلك العراف الأسطورة الذى كان يستمع إليه عظماء الهند من نبلاء ومهراجات، وقد عدت إلى مصر فى شهر أغسطس عام ١٩٨٣ واستدعيت إلى القصر الجمهورى للقاء الرئيس مبارك لأعمل مؤقتًا بديلًا للدكتور أسامة الباز الذى كان قد تعرض لأزمة صحية طارئة وقد طلب منه الأطباء الحصول على راحة كاملة فى المستشفى لمدة شهر، فأوصى الدكتور الباز رحمه الله مؤسسة الرئاسة بأن أتولى العمل بديلًا عنه لحين شفائه، وهكذا كانت نبوءة العراف الهندى نقطة تحول كبيرة فى حياتى الوظيفية ونقلة نوعية للعمل بعد ذلك بالقصر الجمهورى وليس القصر العينى!.