توقيت القاهرة المحلي 07:41:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل

  مصر اليوم -

سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل

بقلم :ناصيف حتّي*

اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء وانسحاب الجيش السوري يشكلان حلاً مؤقتاً، وبالطبع أكثر من ضروري، لحفظ الأمن والاستقرار. يشير الاتفاق إلى أنه «يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء السويداء والدولة السورية، وضمان أمنهم واستقرارهم، وأن تبقى سوريا آمنة لجميع أبنائها». الاتفاق خطوة أكثر من ضرورية، لكنه يبقى حلاً هشاً قابلاً للسقوط، ما دام التوتر السياسي والأمني قائماً. توتر يتغذى عند البعض على ما حصل من أعمال عنف في المنطقة ومسبباتها، كما على ما حصل في الساحل السوري، وأيضاً من المجهول الذي قد يتأتى من أحداث مختلفة من جهة، وعند البعض الآخر من مخاوف من محاولات إلهاء السلطة الجديدة عبر إغراقها في حروب وصراعات داخلية بعناوين مختلفة من جهة أخرى. ولا تخفى محاولات إسرائيل الاستفادة من الوضع السائد لإقامة «جنوب لبنان جديد» في سوريا، كما فعلت في الماضي في لبنان. وما يعزز هذا التوجه احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة في الجولان وإسقاط اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في 31 مايو (أيار) 1974 بين الطرفين، والعمل على فرض إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، مما يشكل خرقاً فاضحاً ومستمراً لسيادة سوريا على أراضيها، إلى جانب استمرار الاعتداءات على سوريا.

من أهم العوامل التي تعزز أجواء التوتر والمخاوف في سوريا التي تواجه تحديات جمة في عملية إعادة بناء الاستقرار، وجود تنظيمات ومجموعات مسلحة ما زالت فاعلة على الأرض، وقادرة على القيام بأعمال عنف تحمل تداعيات خطيرة على مسار بناء سوريا الغد. هذه الأطراف يحركها منطق الانتصار والانتقام وهي تحاول فرض رؤيتها على الآخر، الشريك في الوطن، ولكن المختلف في الانتماء الهوياتي ما دون الوطني (الطائفي والإثني والمذهبي) للوصول إلى تنظيم المجتمع والدولة حسب رؤيتها. السلطة الجديدة أمام تحدي إفشال هذا التوجه الذي يهدد السلم الأهلي. تحدٍ لا يقل أهمية إذا ما تم التعامل معه بنجاح، عن العمل على إعادة ترتيب علاقات سوريا مع الأسرة العربية ومع العالم، والذي هو هدف أكثر من ضروري في عملية إعادة بناء الدولة، وولوج مسار التنمية الشاملة. وقد خطت سوريا خطوات أساسية وهامة في هذا المجال.

إن المطلوب اليوم قبل الغد المبادرة إلى إطلاق مسار حوار وطني شامل يمثل المكونات الوطنية كافة للشعب السوري. حوار يهدف إلى بناء نظام جديد يقوم بشكل خاص على مفهومين أساسيين: أولاً المساواة في المواطنة، وليس على التراتبية المقنعة، وذلك كمضمون وممارسة وليس كشعار فضفاض دون أي معايير لتحديد هذا المفهوم. ثانياً، بسبب وجود هويات متنوعة، في زمن إحياء وعودة الهويات ما دون الوطنية والعابرة للوطنية في الإقليم الشرق أوسطي بشكل خاص، ضرورة العمل على إقامة نظام حسب نموذج أو صيغة الديمقراطية التوافقية أو التشاركية. الصيغة التي لا تلغي دور أحد من المكونات، بل تنظم السلطة على أساس مشاركة الجميع وصحة التمثيل وتحصين الحقوق، ولو اختلفت الأوزان بين هذه المكونات. ولا بد من التذكير بأن الديمقراطية التوافقية تبقى الصيغة الضرورية في المجتمعات التي تضم هويات أولية مختلفة، في زمن إحياء الهويات الأولية، أحياناً بصيغ متشددة، وذلك تحت سقف الهوية الوطنية الجامعة: هويات تغني وتعزز الهوية الوطنية المشتركة إذا ما أحسن تنظيم هذه العلاقة.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن «نظام الطائف» الذي أنهى الحروب اللبنانية وغيرها في لبنان؛ تلك الحروب التي قامت تحت تسميات مختلفة، يشكل نموذجاً للاقتداء به، والاستفادة من بعض دروسه، بشكل عام في الحالة السورية. ولا بد من التذكير في هذا السياق بالدور الرائد الذي لعبته المملكة العربية السعودية في احتضان المؤتمر، والدفع نحو إنجاح الأهداف التي انعقد لأجلها.

لم يفشل اتفاق الطائف في لبنان، كنموذج للحكم كما يدعي البعض، بل ما حصل هو أن الخروقات الفاضحة والمستمرة له من أهل السلطة منعت من تطبيقه كلياً. أضف أن «الطائف» للتذكير يفتح الباب كلياً أمام كل عمليات الإصلاح الممكنة والضرورية والتدريجية للدولة، وهو ما لم يتم الأخذ به مثل موضوع اللامركزية الإدارية التي تركت جانباً، وهذه الأخيرة، كمثال ينظر فيه، قد تكون ضرورية كتسوية تنظيمية عملية وفاعلة بين دعاة الدولة شديدة المركزية من جهة، ودعاة الدولة ذات النظام الفيدرالي كما تطالب القوى الكردية في سوريا بشكل خاص من جهة أخرى.

خلاصة الأمر، أن إطلاق مسار صياغة عقد اجتماعي جديد في سوريا (وأقول عقد وطني بالمعنى الشامل) للأسباب التي أشرت إليها، أمر أكثر من ضروري، رغم التحديات التي أمامه. التحديات التي ستزداد مع الوقت شدة وتعقيداً وتداعيات إذا لم يتم إطلاق هذا المسار ورعايته ومواكبته عربياً بشكل خاص. فالاستقرار المجتمعي ضروري لسوريا، ولأمنها الوطني، وللأمن العربي، وكذلك الإقليمي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل



GMT 15:51 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

GMT 15:48 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ترامب وأوكرانيا... والأمن الأوروبي

GMT 15:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مصر وبنين.. فيلم «الباب المفتوح»

GMT 15:43 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الميزة الأساسية لترامب!

GMT 15:41 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الأسئلة الحرجة على جسر بين عامين!

GMT 15:38 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مطلوب نقابة للبلطجية!

GMT 07:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 07:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 02:56 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

وداعا للورق مصر تلغي كارت الجوازات نهائيا في المطارات
  مصر اليوم - وداعا للورق مصر تلغي كارت الجوازات نهائيا في المطارات

GMT 20:04 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا
  مصر اليوم - بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا

GMT 01:08 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

حسين الجسمي يفتتح عام 2026 بأغنية جديدة تحمل عنوان إنت
  مصر اليوم - حسين الجسمي يفتتح عام 2026 بأغنية جديدة تحمل عنوان إنت

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 07:47 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 22:26 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

التموين المصرية تسعد ملايين المواطنين بأول قرار في 2020

GMT 01:53 2019 الأربعاء ,11 أيلول / سبتمبر

جنيفر لوبيز تظهر بفستان من تصميم ياسمين يحيى

GMT 01:27 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

فلسطينية وصومالية في مجلس النواب.. وعظمة أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt