توقيت القاهرة المحلي 17:20:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من العراق إلى لبنان... مسار النُّخب الحاكمة

  مصر اليوم -

من العراق إلى لبنان مسار النُّخب الحاكمة

بقلم - مصطفى فحص

من العراق إلى لبنان، تتقارب التواريخ وتتقاطع الأحداث ولكن تختلف فقط بالأسماء، لدرجة يمكن معها وصف تاريخ البلدين الحديثين، أي منذ تأسيسهما قبل أكثر من قرن تقريباً، بأنه تاريخ مشترك لدولتين، أو تاريخان مشتركان لبلد واحد؛ فلو أراد أي مقتبس للأفكار بكل بساطة أن يبدل اسم العراق ويضع لبنان، في مقال الأستاذ حازم صاغية بعنوان «كأن العراق يتأسس من صفر ولا يتأسس»، في هذه الصحيفة، بتاريخ 2 يونيو (حزيران) الحالي، لما وجد ضرورة إلا لتغيير أسماء الفاعلين حتى يصبح الاقتباس كأنه عن لبنان في ماضيه الثقيل وحاضره الصعب.

ففي الحالتين العراقية واللبنانية، هناك جهات أو أطراف، وفي تواقيت وأحداث متباعدة، بذلت وتبذُل جهداً كبيراً من أجل إنكار التشكيل جغرافياً وديموغرافياً أو احتكاره، ولا تتردد عند كل مفصل، أو كلما زاد استشعارها للقوة، في العبث بالهوية التأسيسية الأولى للكيانين التي تشكلت على عجل في ظل الاستعمار، ثم أخفقت الدولة الوطنية الحديثة في تثبيتها؛ إما بسبب خلل ما سبَّب اجتزاء في سرديتها، وإما نتيجة انقلاب العسكر، كما في العراق، وإما بسبب الدفاع عن الامتيازات الطائفية، كما في لبنان. ولكن في النهاية كانت المفارقة أن أحداث سنة 1958 التي تزامنت مع سقوط الملكية بالعراق، أدَّت في لبنان إلى تسليم النخبة السياسية اللبنانية السلطة إلى شخصية عسكرية، الرئيس الراحل فؤاد شهاب الذي نجح في تأمين الدولة والحفاظ بنسبة عالية على مدنية مؤسساتها، ولكنه استعان بجنرالاته في إدارتها.

فؤاد شهاب، بما له وما عليه، ورغم سطوة جهازه الأمني، يعود الفضل إليه في بناء مؤسسات الدولة، ومَن انتقدوه كانوا ضمنياً، ومن ثم علانية، يرفضون خطواته الجريئة في دمج الطوائف وتوسيع شراكتها؛ فعهد الشهابي الذي جاء رداً على أول حرب أهلية مصغّرة، المعروفة بـ«أحداث 1958»، التي كانت بمثابة التحذير المُبكر من حرب أهلية أوسع وقعت سنة 1975، نتيجة تمسك اليمين اللبناني بامتيازاته واستخدام القوة للحفاظ عليها، بينما استسهل اليسار المواجهة، وحاول انتزاعها بالقوة أيضاً.

في انقلاب 14 تموز دخل العراق مرحلة دموية من تاريخه لم تزل مستمرة حتى الآن على يد الجنرال عبد الكريم قاسم الذي فتح شهية البعث الذي أزاحه بانقلاب أكثر دموية، ولم يرحل إلا باحتلال أكثر فظاعة، لم تزل تداعياته الهوياتية والثقافية والاجتماعية والسياسية مستمرة، بعد أن سلَّم العراق إلى نخبة سياسية تمتهن تفكيك الدولة والاعتناء بالهويات الفرعية، وتعمل على محو تاريخ كل مَن سبقها، وتخوض حروباً داخلية، وتُشاغِب خارجياً بالإنابة أو بالوكالة.

في توصيف الحالة العراقية، يقول حازم صاغية إنه «بطبيعة الحال فإن الولع بالحقيقة أو الولاء لتاريخ موضوعي هو آخِر ما يعني الأطراف المتساجلة. وإذا كان الوعي الأهلي، الطائفي أو الإثني، ما يقود دفة المهاترة، يبقى أن مسؤولية الطرف الساعي إلى الهيمنة تفوق كثيراً مسؤولية الأطراف التي تحاول صدها».

وفي لبنان، فإن الطرف الساعي إلى الهيمنة لا يتوقف عن محاولات إعادة كتابة التاريخ وفقاً لشروطه، فهو ينكر تأسيس الكيان ويحاول إعادة تصفيره ومحاسبة الاستعمار على ما يعتبره تهميشاً له قبل أكثر من قرن، قافزاً فوق اتفاق الطائف والمناصفة، ويلجأ إلى المطالبة بالعد أحياناً، إذا واجه مأزقاً ديموغرافياً أو التلويح بفائض القوة، كلما حاصرته «الصيغة»، فلا يتردد في تعطيل الدستور وإفراغ مؤسسات الدولة ومصادرتها واحتكار الهوية الوطنية وافتعال تواريخ تأسيسية جديدة نسب إنجازها له وحده.

من الانقلاب على الشهابية الذي بدأ سنة 1970؛ بوصول الرئيس الراحل سليمان فرنجية، حتى نهاية الحرب الأهلية، ومِن بعدها إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولاً إلى انتفاضة تشرين، لم يزل الانقسام محتدماً حول كتاب التاريخ الموحَّد، وعلى الانتماء والهوية والدستور والمؤسسات، ولم تزل النُخب الحاكمة تحت تأثير القناصل والمشاريع الخارجية والهيمنة على الدولة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من العراق إلى لبنان مسار النُّخب الحاكمة من العراق إلى لبنان مسار النُّخب الحاكمة



GMT 07:29 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

GMT 07:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

متحف الوطن العربي

GMT 07:03 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

اطبع واقتل!

GMT 05:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أزمة ثقة تطيح بالطبقة السياسية التقليدية

GMT 05:14 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

إصلاح النظام العالمي!

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ مصر اليوم

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:05 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الخارجية التركية تستدعي خلفية لمعرفة مصير جمال الخاشقجي

GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

وفاة مؤثرة إيطالية بعد خضوعها لإجراء تجميلي في موسكو

GMT 04:23 2020 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

طريقة تحضير فول بالبيض

GMT 03:05 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

هند صبري تُؤكِّد سعادتها بالاشتراك في "الفيل الأزرق 2"

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 17:24 2021 الخميس ,02 أيلول / سبتمبر

استبعاد رمضان صبحي من بعثة المنتخب بسبب الإصابة

GMT 20:26 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

أجمل أماكن سياحية في السودة السعودية

GMT 00:31 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

إدج كريك سايد يفتتح أبوابه في خور دبي

GMT 09:35 2020 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

السعيد تؤكّد 3.5% معدلات النمو المتوقعة خلال 2020 -2021
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt