توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

  مصر اليوم -

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

بقلم : مصطفى فحص

يكافح «حزب الله» من أجل فرض روايةٍ واحدة للمَقتلة الجنوبية، أو تفسيرٍ واحدٍ لها، ويرى في أي رأيٍ مختلف «خيانةً» أو «طعناً في التضحيات». وهدفه منع بيئته، التي حملته سنوات، من قول ما تشعر به. لكنّ للجنوبيين روايةً أخرى.

فقد كانت حياة المُزارِعة الجنوبية فادية الحناوي شاقةً، كالشقاء في زراعة التبغ بقريتها عيترون؛ القريةِ التي سُوِّيت بالأرض، ومعها بيتها الذي بَنَته حجراً حجراً، موسماً بعد موسم، من زراعة الشتلة وقطفها وشَكِّها، لترسم تلك الشتلةُ تفاصيلَ الحياة الجنوبية بحلوها ومرّها.

فادية هي أنا وهو وهي وأنتم ونحن الواقفون على باب التهجير، أو الهاربون من تهجير إلى آخر... هي الجنوبية التي يُراد لها أن تصمت كي لا «تُوهِن» عزيمة الجماعة... وهي المتهمة؛ كغيرها من الشجعان والشجاعات الذين قرروا الخروج عن نصّ الجماعة المقدّس، وأن يقدّسوا أشياءهم الصغيرة: منازلهم... صورهم... ذاكرتهم، وأن يجاهروا بحزنهم.

هي زينب سعد التي تُطوّقها ألسنة العوامِ المنتظمين في لاهوتٍ حزبي بالعزلة أو الطرد؛ عقاباً على ما قالته علناً.

وهي كالراحل أبو علي فقيه، الذي مات فوق ركام منزله حزناً وقهراً، مخالفاً شعار الجماعة التي تَفترض أن الموت يجب أن يكون سعادة، وأنّ مَن يموت بغير تلك السعادة متهمٌ بالخروج والتخلّي... وأحياناً بالخيانة.

ففي العقل الشمولي، الستاليني أو العقدي، يُجرَّد الإنسان من خصوصيته، ومن ذاكرته ومستقبله، ويصبح حزنُه وفرحه وحياته وموته وبيته وعمله ملكَ الجماعة أو التنظيم أو النظام. فلا يعود الحزن حقاً، ولا النجاة الفردية حقاً طبيعياً كذلك، ويصبح المطلوب أن يشعر كما تريد الجماعة، وأن يصمت حين تقرر له الصمت، وأن يروي مأساته باللغة التي تسمح بها السلطة أو «الحزب» أو الطائفة؛ لأنهم وحدهم يحتكرون الرواية.

الرواية التي يريد «الحزب» احتكارها: إجبار الناس على أن يَرَوْا الموتَ والحربَ والدمارَ كما يراها هو، وأن يحاصِر الحقيقة ويمنع روايتها، وأن يقتلها داخل الفرد والجماعة والبيئة، وأن يجرّد الإنسان من قدرته على الدفاع عن نفسه أمام لاهوت السياسة و«الحزب»، حيث يُختزل الفردُ بالكامل، ويتحوّل شخصاً مُسيَّراً ومسيطَراً عليه كليةً. إنها ذروة القمع الممنهج، والآيديولوجيا الواضحة، والسيطرة على الوعي، وسلب الهوية والحرية.

وفي احتكاره «الرواية الأخيرة»، يحاول «حزبُ الله» محاصرةَ الأصوات التي تنتقد مغامراته القاتلة، ويقلّل من قيمة ما يخسره الناس مقابل شعارات النصر والعزة والكرامة، ولا يتردد في معاقبة من يخالف روايته. والعقوبة هنا ليست مجرد رد فعل، بل وسيلة لإعادة تعريف مخالفي «الحزب» أو الجماعة أو الطائفة، وعدّهم عبئاً يجب عزله؛ لأنهم باتوا خارج «الإجماع»، وتصويرهم على أنهم حالة عابرة.

إنها محاصرة اجتماعية وسياسية وأمنية تضغط على المخالفين إلى مرحلة يصبح فيها التعبير مكلفاً إلى درجة الصمت القسري، وحيث يدرك الأفراد أن الدفاع عن أنفسهم لا يغيّر شيئاً في منظومة قررت سلفاً موقعَهم. إنها لحظة «ما بعد العدالة»، حين لا يعود الظلم بحاجة إلى تبرير.

أما الرواية الأخرى فيصعب احتكارها؛ لأن من المستحيل مصادرةَ الموت والحزن والخسارة والوجع، أو فرضَ روايةٍ وحيدة عليها. وهنا يختصر محمود درويش حالة الموت الجنوبي المُعلَن بقوله:

فيا موتُ انتظرني ريثما أُنهي

تدابيرَ الجنازة في الربيع الهشّ

حيث وُلدتُ... حيث سأمنع الخطباء

من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين

وعن صمود التين والزيتون

في وجه الزمان وجيشه...

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حزب الله» واحتكارُ الرواية «حزب الله» واحتكارُ الرواية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt