توقيت القاهرة المحلي 03:30:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين المسجد والمقام: مصالحة ما بعد «البعثين»

  مصر اليوم -

بين المسجد والمقام مصالحة ما بعد «البعثين»

بقلم : مصطفى فحص

لا تُقاس المسافة بين بغداد ودمشق بالكيلومترات، لأنها انعكاس لعلاقة ملتبسة بين دولتين فرّقتهما الآيديولوجيات والأنظمة، وجمعهما التاريخ والجغرافيا.

وقُدّر للمدينتين أن ترث إحداهما الأخرى، ثم أن تسقط إحداهما إثر الأخرى... ورثت بغداد الخلافة من دمشق، ثم سقطت بغداد بيد المغول عام 1258، ولحقتها دمشق بعد عامين... وظلتا تتوارثان الصعود والسقوط، إلى أن سقطت بغداد في عام 1968 بيد «البعث»، ثم بعد عامين عادت دمشق وسقطت هي الأخرى بيد «البعث» في عام 1970، فوصل حافظ الأسد إلى الرئاسة سنة 1971 بعد عامين من تنصيب صدام حسين نائباً للرئيس سنة 1969، كأن الدرب الذي أخذ السوريين والعراقيين إلى المجهول معبّد بالتكرار.

في الطريق إلى دمشق، لم يقطع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي 850 كيلومتراً بين العاصمتين فحسب، بل طوى عقوداً من النزاع والتفرقة بينهما. فالمصافحة في مطار دمشق بين الزيدي والرئيس السوري أحمد الشرع، الذي خالف البروتوكول المعتاد واستقبله على أرض المطار، هي مصافحة الشجعان لإرساء السلام؛ مصافحة تختصر تحوّلاً في علاقة حكمتها الخصومة، وتداخلت فيها سياسات «البعثين» وحروب المقاتلين وحسابات الدولة الصديقة والعدوة، التي سيطرت على مساراتها.

فالشرع ذهب إلى بغداد مقاتلاً وعاد منها رئيساً، فيما يأتي الزيدي، من خلفية تجارية، ممثلاً جماعة سياسية في السلطة، قاتلَ جزء منها دفاعاً عن نظام الأسد لسنوات. لذلك، فإن طيّ المسافة يبدأ بإعادة بناء العلاقة على أساس الاستقرار والمصالح، وتجاوز ماضٍ قريب كلّف الطرفين أثماناً باهظة.

في دمشق، وضع الزيدي أوراقه على الطاولة. ومن هنا، لا بد أن تبدأ الثروات بالتدفق. لم تعد الممرات بين العاصمتين لنقل المقاتلين، بل أصبحت مجالاً حيوياً لنقل الثروة وتبادل المصالح، وبوابة لعبور الزائرين والسياح.

هذا المجال الحيوي الذي يتشكّل بين بغداد ودمشق يُعيد تركيب شرق المتوسط وحدوده، في لحظة يُعاد فيها تركيب المنطقة من جديد، وسط مخاطر حروب قد تُعيد تفكيك ما تفكّك، وتمنع جمع ما لا يزال ممكناً جمعه. إنها لحظة تاريخية ينبغي استثمارها لقطع الطريق على كل مَن يريد تفكيك منظومة الدولة أو إضعافها، أو جعلها رهينة الانتظارات الإقليمية والدولية الكبرى، ومصالح تُصاغ خارج المصالح العربية المشتركة والمصالح العراقية - الشامية الخاصة.

في هذه المساحة الجغرافية، تصبح شواطئ البصرة، بما تمثله من ثقل اقتصادي واستراتيجي، مرفأً لدمشق، ويغدو ميناء طرطوس جزءاً من مجال اقتصادي يصل العراق بالمتوسط. وبين الموانئ والمدن، يمكن أن تتشكّل مساحة من الاقتصاد والحضارة والإنسان، ومن الروابط الروحية التي تجلّت في زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى المسجد الأموي، برفقة وزير الخارجية السوري، ثم إلى مقام السيدة زينب، من أجل وأد الفتنة وتحرير المقدّس من الآيديولوجيات القاتلة.

هنا تسقط ادعاءات احتكار المقدّس؛ فالمقام محروس بأهل الشام، والمسجد عنوان للوحدة والجمع، لا ذريعة للقتال والتفكيك. فالروابط الروحية بين المجتمعات يمكن أن تكون جسراً يُعيد وصل ما قطعته الحروب، بدلاً من أن تتحول إلى وقود للصراعات.

إن البلدين اللذين فرّقهما «البعث»، وقطع القتال صلاتهما، يستطيعان اليوم صناعة مصالح تجعل منهما نموذجاً لجوار آمن، تتقاطع فيه الثروات والمصالح، وتستعيد فيه الدولة مكانتها بوصفها الضامن لوحدة المجتمع ومستقبله.

وعليه، بين المسجد والمقام، لا تكتمل المصالحة بالمصافحة وحدها، بل بتحويلها إلى مشروع سياسي واقتصادي وإنساني يحمي البلدين من تكرار الماضي، ويمنح شعبيهما فرصة لصناعة مستقبل مختلف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين المسجد والمقام مصالحة ما بعد «البعثين» بين المسجد والمقام مصالحة ما بعد «البعثين»



GMT 05:53 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا رفض سارتر «نوبل»؟

GMT 05:47 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

جاءت الأعاجم

GMT 05:44 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

كيليان مبابي والأدب الصيني

GMT 05:41 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الكتابة على صفحة العقل بحروف صامتة

GMT 05:32 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الأجدى لإيران أن تكون دولة طبيعية مسالمة لجيرانها

GMT 05:26 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

عن حتمية الحرب وسجالات السلام

GMT 05:22 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

العنصرية العالمية و«القومية الإقصائية»

GMT 11:15 2026 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

صدقوني آتية...

أبرز إطلالات النجمات بالبدلات النسائية كبديل راقٍ لفساتين السهرة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 23:05 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 06:04 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

ابتزاز أمريكى للرياض

GMT 00:56 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

إيهاب جلال يؤكد أن "المصري" لا يلعب لصالح أحد

GMT 03:01 2020 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب الدنمارك يعبر إنجلترا بهدف في دوري الأمم الأوروبية

GMT 09:49 2019 الإثنين ,08 تموز / يوليو

أول صورة لريهام سعيد بعد أزمة مرضها

GMT 23:35 2019 الخميس ,21 آذار/ مارس

تعرفي على فوائد الخل لصحة وجمال شعرك

GMT 14:38 2020 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

فاردي يقود هجوم ليستر لمواجهة وست هام في البريميرليج

GMT 18:39 2019 الجمعة ,30 آب / أغسطس

نيسان تصنع منتجات أخرى غير السيارات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt