بقلم : خالد منتصر
جان بول سارتر هو الأديب الوحيد الذي رفض «نوبل للأدب» طوعاً، لكن هناك أديباً آخر رفضها تحت ضغط السلطات، وهو بوريس باسترناك مؤلف «دكتور زيفاجو»: والذي قبلها في البداية، ثم اضطر إلى رفضها تحت ضغط السلطات السوفيتية، أما في غير مجال الأدب، فهناك أيضاً الفيتنامي لي دوك تو، الذي رفض جائزة السلام عام 1973 المشتركة مع هنري كيسنجر، بسبب استمرار الوضع الحربي في فيتنام، لكن دائماً جائزة الأدب لها عبق خاص وشهرة واسعة بين كل فروع «نوبل»، لذلك يظل السؤال عن رفضها مهماً وجوهرياً، لماذا رفضها سارتر؟، إجمالاً نستطيع أن نقول إنه رفضها انطلاقاً من تصوره لاستقلال الكاتب ودوره السياسي، وقد شرح مبرراته في بيان، يمكن تلخيصه في الآتي:
١ - ألا يتحول الكاتب إلى مؤسسة: رأى أن التكريم يضيف سلطة إلى اسم صاحبه، فتؤثر مكانته في استقبال أفكاره، فتوقيع «جان بول سارتر» يختلف في نظره، عن توقيع «جان بول سارتر، الحائز على نوبل».
٢ - الدفاع عن استقلال الكلمة: أراد أن تستمد مواقفه قوتها من حججها وكتاباته، وأن يظل حرّاً في الاعتراض، دون ارتباط رمزى بالمؤسسة التى كرّمته.
٣ - الاتساق مع موقفه من الأوسمة: لم يكن رفضه تصرفاً مفاجئاً، فقد سبق أن رفض وسام جوقة الشرف الفرنسي عام 1945.
٤ - رفض التوظيف السياسي للجائزة: في أجواء الحرب الباردة، اعتقد أن «نوبل» تميل في صورتها السائدة إلى تكريم كتّاب الغرب أو المعارضين في الشرق، وخشى تفسير قبولها بوصفه تراجعاً عن مواقفه اليسارية، وقال إنه سيرفض أيضاً جائزة لينين لو عُرضت عليه.
٥ - تقديم المبدأ على المال: أقرّ بأن أموال الجائزة كانت تستطيع مساعدة قضايا يؤمن بها، ومنها مناهضة الفصل العنصري، لكنه قرّر أن ذلك لا يُبرر التخلي عن موقفه.
لم يكن رفضه إهانة للأكاديمية أو إدانة للفائزين الآخرين، بل كان موقفاً شخصيّاً يرى أن على الكاتب أن يحمي حريته حتى من سلطة التكريم، لكن يظل موقف سارتر حجراً ألقى في بحيرة راكدة، كان متسقاً مع نفسه، بل ومتشدداً، كان يقدم نفسه ليس كفرد، ولكنه صاحب فلسفة وموقف، ومثقف لا بد أن تكون مواقفه مرآة لفلسفته وكتاباته.