توقيت القاهرة المحلي 14:54:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

انقلاب فى ألمانيا.. محاولة للفهم!

  مصر اليوم -

انقلاب فى ألمانيا محاولة للفهم

بقلم - عبد الله السناوي

لم يكن معقولا بأى نظر عابر، أو قابلا للتصديق للوهلة الأولى، أى حديث عن مخطط انقلاب عسكرى فى ألمانيا، كأنها جمهورية موز من دول العالم الثالث!
السلطات الألمانية أحبطت مخطط الانقلاب وحاولت فى الوقت نفسه التخفيف من وطأته على الرأى العام بادعاء أن التنظيم محدود والأمن متأهب والديمقراطية آمنة.
هذه نصف الحقيقة، وليست الحقيقة كلها.
بدلالات الأرقام: شبكة التنظيم، الذى يطلق عليه «مواطنو الرايخ»، عضويته أكثر من واحد وعشرين ألفا، بعضهم متمركزون فى الجيش الألمانى والأجهزة الأمنية نفسها، وتفكيكها استدعى مشاركة ثلاثة آلاف ضابط وجندى فى إحدى عشرة ولاية!
خطورة التنظيم فى أفكاره وتصوراته ومواقفه ضد المهاجرين والمسلمين وكل ما له صلة بالقيم الإنسانية الحديثة.
لا يعترف بالجمهورية التى أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، ولا بأوراقها ومستنداتها، لا يدفع الضرائب، كأنه طبعة ألمانية من تنظيم «التكفير والهجرة»، الذى عانت منه مصر بأوقات سابقة!
يستلهم مخطط الانقلاب تجربة الزعيم النازى «أودلف هتلر» فى إحكام قبضته على السلطة، حين وظف حريق مبنى البرلمان «الرايخستاج» عام (1933) لإعلان الطوارئ والتنكيل بخصومه السياسيين.
لم تكن مصادفة أن يشمل مخطط الانقلاب حرق البرلمان الحالى «البوندستاج» والقيام باغتيالات سياسية وإثارة الفوضى فى أنحاء البلاد لتقويض مؤسسات الدولة والاستيلاء على السلطة بالقوة.
الظروف اختلفت لكننا أمام قوة من الماضى مسكونة بالمخططات نفسها.
لا شيء يولد من فراغ، أو بالمصادفات، منعزلا عن مقدماته وسياقه وتاريخه، حتى لو بدا لوهلة أنه غير قابل للتصديق!
لم يكن التنظيم المتطرف سرا مغلقا على الاستخبارات الألمانية، التى حذرت قبل شهور من أعمال تخريبية قد يلجأ إليها على خلفية الحرب الأوكرانية.
سوف تتلو محاولة الانقلاب المجهضة محاولات أخرى لإحياء «الرايخ» الألمانى، رمزا للإمبراطورية والقوة والنفوذ فى مواجهة ما هو ماثل من تبعية مفرطة للنفوذ الأمريكى والفرنسى والبريطانى.
الاعتقاد نفسه تتبناه تيارات وقوى سياسية أخرى تميل إلى اليسار، لكنها لا تتبنى العنف ولا تدعو إلى تغيير النظام بالقوة.
إننا أمام نزوع لإحياء تجربة «هتلر»، التى قوضت وحدة ألمانيا بأثر الهزيمة فى الحرب العالمية الثانية، وتقسيمها إلى دولتين شرقية وغربية، الأولى تتبع موسكو والثانية فى كفالة واشنطن.
كان جدار برلين، الذى قسم العاصمة برلين، تجسيدا رمزيا لما أطلق عليها «الحرب الباردة».
أولت الولايات المتحدة اهتماما بالغا بألمانيا الغربية أمام الحضور السوفييتى القوى فى ألمانيا الشرقية، ساعدت بفوائضها المالية فى إطلاق «مشروع مارشال» لانتشالها من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية.
لعب «كونراد أديناور» أول مستشار ألمانى بعد الحرب دورا جوهريا فى تأسيس ما يطلق عليها «المعجزة الألمانية».
فى ظروف تاريخية مختلفة توحدت ألمانيا تحت قيادة المستشار «هيلموت كول».
كان ذلك من أول مهام إنهاء حقبة الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولى.
الوحدة الألمانية استدعت تطورين مهمين، الأول ــ اضطلاع ألمانيا بقيادة الاتحاد الأوروبى مستندة على قوة اقتصادها بالشراكة مع فرنسا بحيويتها السياسية.
بدأ العالم يتحدث عن «عودة الرايخ» بصورة اقتصادية مهيمنة.
وأخذت ألمانيا تتلمس بحذر فرص إعادة بناء قوتها العسكرية دون صخب كبير، أو إثارة شكوك ترددت طويلا وكثيرا فى الخطاب الغربى إثر الحرب العالمية الثانية.
والثاني ــ التنكر الغربى لكل التعهدات الأمنية، التى قطعت للاتحاد السوفييتى السابق، مقابل موافقته على توحيد الألمانيتين مطلع تسعينيات القرن الماضى، وكان أهمها عدم تمدد حلف «الناتو» إلى الحدود الروسية، أو أن يمثل تهديدا لها.
أسس ذلك لكل ما جرى من صدامات قوى ومآس ماثلة فى الحرب الأوكرانية.
أزمة الطاقة والغاز فى خلفية مخطط الانقلاب اعتقادا بأن ألمانيا فقدت دورها وهيبتها وصارت تابعا للولايات المتحدة.
الاعتقادات نفسها تتبناها قوى سياسية تميل إلى اليسار، تناقض تماما اليمين المتطرف الذى تسكنه فكرة إمبراطورية «الرايخ»، وله ظهير شعبى حاضر فى المشهد.
حزب «البديل من أجل ألمانيا» إحدى تجليات الظاهرة نفسها، وقد اعتقلت نائبة سابقة فى حملة الاعتقالات الأخيرة.
نظريا لا يعتبر ذلك الحزب متطرفا بل شعبويا، وهو حاضر فى المعادلة السياسية طالما يعترف بالقانون ــ حسب السلطات الألمانية.
الأفعال ناقضت القانون والسلطات أنكرت طبيعة التوجهات.
تمدد حزب «البديل» فى أزمة اللاجئين واستثمر فى العداء للإسلام، اعتدى على المقابر اليهودية، ودعا إلى الحياد فى الحرب الأوكرانية.
يستلفت الانتباه ــ هنا ــ أن قيادته اتخذت إجراءات تأديبية بحق بعض نوابه الذين زاروا موسكو.
يحسب للمستشارة الألمانية السابقة «انجيلا ميركل» فتح أبواب بلادها أمام المهاجرين من مناطق النزاعات فى العالم العربى، خاصة سوريا، رغم ضغوط وتظاهرات اليمين المتطرف، التى حاولت الاستثمار فى أزمة المهاجرين لتوسيع قاعدتها الجماهيرية، ووجدت فى عمليات العنف والإرهاب التى تتبناها جماعات تنسب نفسها للإسلام ذريعة لاكتساب مزيد من الأنصار.
وجد اليمين المتطرف ذريعة ثانية للتمدد بإثارة الشكوك فى جدوى التواجد بالاتحاد الأوروبى حين كان مطلوبا أن تمد بلادهم يد العون للدول التى ضربتها الآثار الاقتصادية والصحية للجائحة.
ثم جاءت الحرب الأوكرانية بتكاليفها الباهظة ليصبح ممكنا أن ينحو ذلك التيار المتطرف إلى محاولة تقويض مؤسسات الدولة كلها بالانقلاب عليها.
كان مستلفتا عند إعلان إحباط محاولة الانقلاب إسراع السلطات الألمانية، لتوجيه الاتهام لروسيا بأنها تقف وراءه، وهو ما نفاه الكرملين مؤكدا أن لا صلة له بما يحدث فى ألمانيا ولا صلات تجمعه بجماعات غير قانونية.
الاتهام والنفى يمثلان معا مشهدا مستجدا فى الحرب الأوكرانية، الاتهام وارد بـ«شيطنة روسيا» دون فرصة حقيقية للتأكد من صحة حيثياته، والنفى حاضر بعبارات عامة دون فرصة أخرى للتأكد من سلامته.
إنها الحرب المفتوحة التى أخذت مداها وأنهكت أطرافها وجعلت سؤال الانقلاب الألمانى محتملا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انقلاب فى ألمانيا محاولة للفهم انقلاب فى ألمانيا محاولة للفهم



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt