توقيت القاهرة المحلي 01:02:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصين كقوة عظمى في عالم يتغير!

  مصر اليوم -

الصين كقوة عظمى في عالم يتغير

بقلم - عبد الله السناوي

أعلنت الصين عن نفسها لاعبا دوليا يأخذ صفة القوة العظمى فى تفاعلات وحسابات عالم يتغير بأزمتين كبيرتين ومعقدتين.

الأولى، باحتضان المصالحة السعودية الإيرانية وسيطا وضامنا.

وقد حققت وساطتها اختراقا جوهريا رغم التحديات والمخاطر الماثلة.

والثانية، بالمبادرة النشطة للتوصل إلى حل سياسى للحرب الأوكرانية، لقاء مرتقب فى موسكو مع الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» وحوار بالفيديوكونفرنس منتظر مع الرئيس الأوكرانى «فولوديمير زيلينسكى».

لم يعهد عن بيجين لعب مثل هذه الأدوار التى تنتسب بتأثيراتها وفاعليتها إلى عوالم القوى العظمى.
لعقود طويلة ومتصلة حاولت بقدر ما تستطيع أن تنفى أنها قوة عظمى رغم تراكم المال والسلاح الذى تحوزه.

«لسنا قوة عظمى.. نحن دولة نامية من العالم الثالث، مازلنا تلاميذ على مقاعد الدرس والتعلم من تجارب الدول الأخرى».

بتلك العبارة القاطعة احتج أساتذة صينيون فى كلية اللغات الأجنبية بجامعة بكين على وصف بلادهم بأنها «قوة عظمى» أثناء حوار مسهب معهم خريف (2017).

لم يكن ذلك تواضعا بقدر ما كان التزاما بسياسة النفس الطويل.

«هناك مناطق واسعة تعانى فقرا مدقعا ومن أولوياتنا تحسين أحوالها ومستويات معيشتها قبل ممارسة أى أدوار تنتسب لعظمة القوة، ولا تنس أن المتوسط السنوى لدخل المواطن لا يتجاوز (8000) دولار، وهو أقل مما يحصل عليه مواطنو بعض الدول النامية».

لم تكن الصين فى عجلة من أمرها للعب أى أدوار عظمى، كأنها تجلس بصبر على حافة النهر فى انتظار جثة عدوها طافية، على ما تعلمت من حكيمها «كونفوشيوس».

أكثر ما يثير الالتفات فى التجربة الصينية قدر التواضع فى النظر إلى حجم الإنجاز وحجم تراكم خبرة بناء الدولة دون صدام مع شرعية الثورة، التى قادها إلى النصر عام (1949) زعيمها «ماو تسى تونج».

بعد رحيل «ماو» عام (1976) دخلت الصين لمدة عامين فى صراعات سلطة وفترة حيرة فى أى طريق تذهب، حتى أمسك بمقاليدها «دينج هسياو بينج» ــ نائب رئيس الوزراء التاريخى «شواى لاى» وتلميذه الأقرب ـــ وشرع فى وضع اللبنات الأولى لسياسة الانفتاح الاقتصادى، وفق ما أطلق عليه «اقتصاد السوق الاجتماعى».

يصعب نسبة الطفرة الاقتصادية فى الصين إلى أفكار «ماو» إلا بقدر تراكم التجربة، فقد فتح الباب واسعا للتغيير ونقل البلد كله من حال إلى آخر، من التخلف المفرط وحروب الأفيون ومستوطنات الذباب إلى القرن العشرين وحقوق مئات الملايين فى العدالة والتنمية والحياة بكرامة.

الانتساب إلى «ماو» مسألة شرعية، غير أن الماوية، من حيث هى أفكار وتصورات وسياسات تكاد أن تكون قد طويت.

احترام إرث الماضى وتصحيحه دون صخب مكن البلد من عبور أى منزلقات تعوق تقدمه خطوة بعد أخرى على طريق الألف ميل استلهاما للحكمة الصينية الشهيرة.

هذا من مقومات سياسة النفس الطويل وتصحيح الأخطاء ومواجهة الحقائق، كما هى على الأرض بلا ادعاء تواضع.

المبدأ الصينى الحاكم فى إدارة السياسة العامة يمكن تلخيصه على النحو التالى: أكبر قدر من المصالح وأقل قدر من المنازعات.

لماذا تتقدم الصين الآن إلى حيث لم يعهد عنها طوال رحلتها الطويلة؟

هذا سؤال جوهرى تعود إجابته إلى دواعى القلق عند التنين الصينى من متغيرات السياسة والسلاح فى عالمها وحولها ومدى الأخطار التى قد تحيق بها.

هناك ــ أولا ــ محاولات أمريكية لا تتوقف لجرها إلى سباق تسلح يستنزف مشروعها الطموح للقفز إلى المرتبة الأولى فى الاقتصادات العالمية على حساب الولايات المتحدة، التى تتمتع بثقل القوى العظمى الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانى.

حسب معهد ستوكهولم فإن النفقات العسكرية العالمية السنوية تجاوزت تريليونى دولار لأول مرة.
رفعت الصين منسوب انفاقها العسكرى دون تزيد كبير خشية استنزاف طاقتها وقدرتها على النمو الاقتصادى المطرد،

وهناك ــ ثانيا ــ تحديات أمنية ضاغطة تطرح عليها فى المحيطين الهادى والهندى ومن جزيرة تايوان، التى تعتبرها بيجين جزءا من أراضيها، وفق مبدأ «صين واحدة» المستقر دوليا.

وقد كان التوجه الأمريكى البريطانى لتزويد استراليا بغواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية بالقرب من محيطها الجيوسياسى داعيا لقلق بالغ من تصعيد منسوب الاستفزاز العسكرى.

بصورة أو أخرى الصين لا تريد أن تتورط فى مواجهات عسكرية مباشرة، لكنها لا تستطيع أن تصمت على التهديدات الماثلة على حدودها.

بين الخيارين الخطيرين تحاول الصين أن تجد منافذ سياسية تمكنها من إثبات حضورها الدبلوماسى وقدرتها على الردع تجنبا لأية مواجهات تحرفها عن طموحها الاقتصادى.

وهناك ــ ثالثاــ خشية من أن يكون الدور عليها إذا ما نجحت الولايات المتحدة فى كسب الحرب الأوكرانية وتقويض الدور الروسى.

يصعب على بيجين التخلى عن موسكو، ويصعب عليها بذات القدر أن تتورط فى الحرب الأوكرانية.

التخلى نذير ضربة مماثلة تلحق بها تاليا والتورط دخول فى فخ الاستنزاف.

لعرقلة أى صعود صينى محتمل على حساب أدوار وأوزان الولايات المتحدة تمارس واشنطن بحقها ابتزازا سياسيا يتهمها دون دليل واحد بإمداد الروس بأسلحة وذخائر.

كان ذلك الاتهام المعلق على النوايا أقرب إلى سيف مسلط يستهدف عرقلة الطموح الاقتصادى الصينى وتهديده بفرض عقوبات اقتصادية عليه.

وهناك ــ رابعاــ ترنح الإمبراطورية الأمريكية رغم عنفوان القوة الذى أبدته فى الحرب الأوكرانية واهتزاز النظام الدولى كله دون أن ينهض نظام دولى جديد من تحت أنقاض الحرب المشتعلة.

ربما وجدت الصين أن الوقت حان للتقدم الحذر إلى منصة القوى العظمى من باب المبادرات النشطة، أرادت أن تقول وهى تتقدم لإعادة توصيف أدوارها الدولية أنها قوة سلام وأمن واستقرار.

يومئ ذلك إلى تحولات مقبلة فى بنية الأدوار مرحلة بعد أخرى وليست مرة واحدة على الطريقة الصينية المتريثة.

الغرب يترقب ما قد يحدث فى المستقبل والصين أمامه لغز يستعصى على الفهم والإحاطة، رغم أن حجم ما ينشر عنها فى الميديا الغربية يفوق ــ فى بعض الأحيان ــ اهتمامها باقتصادات بلدانها.

والعالم العربى يتابع الصعود الصينى دون يقظة حقيقية تساعد على فهم ما قد يحدث بنا وحولنا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصين كقوة عظمى في عالم يتغير الصين كقوة عظمى في عالم يتغير



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt