توقيت القاهرة المحلي 08:52:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقامرة أردوغان الأخيرة!

  مصر اليوم -

مقامرة أردوغان الأخيرة

بقلم - عبد الله السناوي

فى توقيته وسياقه وأسبابه المباشرة بدا اعتقال رئيس بلدية إسطنبول «أكرم إمام أوغلو» بالطريقة التى جرت بها انقلابا منذرا بتداعياته على مستقبل الديمقراطية التركية وأدوارها فى محيطها وعالمها.

وفق استطلاعات الرأى العام فإنه المرشح الأوفر حظا فى الانتخابات الرئاسية المقبلة (2028)، التى يفترض بنصوص الدستور ألا يسمح للرئيس الحالى «رجب طيب أردوغان» بالترشح فيها.

تعديل الدستور سيناريو محتمل، والانتخابات المبكرة عام (2027) سيناريو محتمل آخر لتجاوز العائق الدستورى، الذى يسمح فى هذه الحالة بترشح الرئيس لدورة ثالثة بالتحايل.

سواء عدل الدستور، أو أجريت انتخابات مبكرة فإن «أكرم أوغلو» الأقرب إلى ربحها بغض النظر عمن يترشح أمامه باسم الحزب الحاكم، «أردوغان»، أو من يختاره.

كانت تلك سردية حزب الشعب الجمهورى، الذى أسسه «مصطفى كمال أتاتورك» بعد إعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية، فى مواجهة سردية أخرى غير متماسكة وغير مقنعة لحزب «التنمية والعدالة، الذى أسسه «أردوغان» متبنيا خطا محافظا حاول أن يزاوج فيه بين الإسلام السياسى والعلمانية الأتاتوركية.

وفق السردية الرسمية فإن القضية جنائية لا سياسية، التهم تنسب إليه فسادا فى إدارة بلدية إسطنبول والاتصال بحزب العمال الكردستانى المصنف إرهابيا فى الخطاب التركى.

يستلفت الانتباه أن ذلك الاتهام يناقض ما تجريه الرئاسة التركية من مفاوضات وحوارات شبه معلنة مع زعيمه «عبدالله أوجلان» بهدف تفكيك قوته العسكرية ودمج الأكراد فى البنية السياسية للبلد. تهم الفساد قد تصح أو لا تصح، هذه مسألة تحقيق وإسناد بالأدلة.


السؤال هنا: لماذا لا تفتح ملفات التجاوزات المالية فى البلديات كلها، الموالية والمعارضة على قدم المساواة، بدلا من أن تستخدم الاتهامات المرسلة لتصفية الخصومات السياسية؟

فوق ذلك كله ما مسوغ اقتحام أعداد كبيرة من قوات الأمن منزل «أكرم أوغلو» فى الصباح الباكر وتفتيش كل ركن فيه بحثا عن أى دليل يدينه. نحن نتحدث عن مئات الضباط والجنود.

بأثر الصورة السلبية للغاية التى لحقت بـ«أردوغان» نفى صلته بالطريقة التى اعتقل بها «أكرم أوغلو»، كما لو كان زعيما للمافيا التركية لا رئيسا لأكبر وأهم بلدية فى البلاد. لم يكن هناك تسويغ آخر لاتساع حجم الاعتقالات السياسية لتشمل نحو (100) آخرين من دائرة مقربيه. إنه تعمد الترويع والإهانة.

أدانت طريقة الاعتقال المنظمة الحقوقية الدولية «هيومان رايتس ووتش» ودوائر أوروبية سياسية واسعة ووصفتها بأنها حملة قمع. المعارضة استشعرت أنها مستهدفة فى أدوارها ومستقبلها، وأن القواعد الديمقراطية على وشك الانهيار.

نشبت احتجاجات شعبية فى شوارع إسطنبول رغم منع التظاهر لأربعة أيام لتحجيم رد الفعل.. وتهاوت الليرة التركية بمعدلات غير مسبوقة.

ساعدت الكلمات الأخيرة، التى سجلها رئيس بلدية إسطنبول قبل اعتقاله مباشرة، فى إلهام الاحتجاجات: «لن أتراجع... سأسلم نفسى للشعب، وأقف شامخا».

الأزمة فى أولها ويصعب توقع تداعياتها على مستقبل تركيا. إنها مقامرة سياسية بالمعنى الكامل. إذا أغلقت المنافذ السياسية تتقوض الشرعية ويصبح كل شىء محتملا وواردا.

لم يكن ما حدث مفاجئا تماما، فقد توالت الإشارات بالسنوات الأخيرة واحدة إثر أخرى أن تركيا توشك على دخول أزمة سياسية عميقة. فى الانتخابات البلدية الأخيرة، مارس (2024)، فارقت نتائجها أية توقعات وتكهنات مسبقة بأن يكتسحها «أردوغان»، كما العادة حيث لم يخسر أى استحقاق انتخابى منذ صعوده إلى السلطة عام (2003) رئيسا للوزراء ثم رئيسا للجمهورية بصلاحيات واسعة بعد تعديل الدستور.

لأول مرة حلّ العدالة والتنمية ثانيا بعد غريمه التاريخى الشعب الجمهورى. لم يقدر الحزب الحاكم على حصد أية بلدية كبرى، أو استعادة أية بلديات فاز بها حزب «الشعب الجمهورى» فى عام (2019).

كانت إعادة انتخاب «أكرم إمام أوغلو» فى إسطنبول لطمة هائلة لـ«أردوغان» ورسالة إلى المستقبل المنظور، إنه قد يكون الرئيس التركى فى أول انتخابات رئاسية مقبلة. «أردوغان» نفسه صعد إلى السلطة من موقعه رئيسا لبلدية إسطنبول. باعترافه هو نفسه فإن الهزيمة الانتخابية بالانتخابات البلدية «نقطة تحول».

كان ذلك تصويتا عقابيا على خلفية الأزمة الاقتصادية والحرب على غزة حيث استحكمت الأولى وتعرضت سياساته فى الثانية إلى انكشاف غير مسبوق.

لم ينتظر «أردوغان» أية مواجهة مع المنافس الشاب فى صناديق الاقتراع. استخدم سلطة الدولة فى إلغاء شهادته الجامعية بحجج إدارية واهية بعد (35) عاما من الحصول عليها فى جامعة إسطنبول حيث لا يكون ممكنا الترشح الرئاسى، على ما يقضى النص الدستورى.

إقصاء المرشحين الأقوياء المحتملين يصادر حق الاختيار الديمقراطى من المنبع. كان ذلك انقلابا على إرث «أردوغان» نفسه.

فى السنوات الأولى بدت إسطنبول مدينة عصرية منفتحة على عالمها ولديها آمال واسعة فى بناء قوة اقتصادية كبيرة وتحسين مستويات شعبها.

تزاوجت الأوضاع الداخلية الملائمة والأحوال الإقليمية المتغيرة بعد احتلال العراق (2003) فى بناء قوة دفع لدور تركى جديد يعتمد على قوتها الناعمة قبل أى شىء آخر، غير أن الرهانات على «العثمانية الجديدة» سرعان ما تقوضت ودخلت تركيا فى حزام من المشاكل والأزمات مع دول عربية عديدة ومؤثرة، كأنها انتقلت فجأة من شعار «صفر مشاكل» إلى أحوال «كل المشاكل».

فى لحظة صعود محتمل للدور التركى كقوة إقليمية مؤثرة فى حساباته وموازين القوى فيه إثر سقوط دمشق تبدت هشاشة أوضاعه الداخلية وأن مستقبل «أردوغان» نفسه بات فى مهب عواصف المتغيرات.

إنها مفارقة تراجيدية فى مقامرة «أردوغان» الأخيرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقامرة أردوغان الأخيرة مقامرة أردوغان الأخيرة



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt