توقيت القاهرة المحلي 18:45:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عبدالناصر ومشروعه.. الصراع على المستقبل

  مصر اليوم -

عبدالناصر ومشروعه الصراع على المستقبل

بقلم - عبد الله السناوي

إنه صراع على المستقبل، لا صدام فى الماضى. هذه حقيقة مساجلات كل عام، التى تعاود إنتاج نفسها فى ذكرى ثورة 23 يوليو. التصويب غير الطمس، والنقد غير التشهير.

 القضية ليست «جمال عبدالناصر»، فقد رحل قبل 55 عامًا، ولا ثورة «يوليو» نفسها، فقد انقضت أيامها بعد أحداث 15 مايو 1971. موضوع الحملات هو اغتيال المشروع الوطنى الذى جسّدته «يوليو». قوة أى مشروع فى قدرته على بناء أفكار وتصورات وسياسات جديدة وفق قيمه الرئيسة بالنقد والتجديد والإضافة، وإلا فإنه يدخل فى موت سريرى لا قومة منه.

 أهم قيم مشروع «يوليو»: استقلال القرار الوطنى، وانتماء مصر العربى، والانفتاح على العالم الثالث وقضاياه، والعدالة الاجتماعية، ومناهضة التبعية فى السياسة والاقتصاد.

تختلف المقاربات والسياسات باختلاف العصور.

اكتسبت «يوليو» قوتها من تفاعلها مع حقائق عالمها، تحدّت، وحاربت، واجتهدت، وأصابت، وأخطأت، وانتصرَت، وهُزمَت، وهذا كله يحتاج إلى مراجعة لمواطن القوة والضعف فى أهم تجاربنا الحديثة.

استوعب «عبدالناصر» فى مشروعه أفضل ما كان مطروحًا من خيارات عصره، فدمج التحرر الوطنى بالالتزام القومى العربى، وبفكرة التغيير الاجتماعى والانحياز إلى الطبقات الفقيرة.

كانت العدالة الاجتماعية صلب قاعدة شرعيته، حيث تعلقت باحتياجات البشر فى الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وقبل ذلك الحق فى العمل، وفى عائد الناتج القومى، أن يكون الإنسان كريمًا فى وطنه وآمنًا على مستقبله.

وكانت توجهاته العروبية أفق حركته فى محيطه.

أى توجهات تكتسب قيمتها من مستويات التزامها.

هناك حاجة حقيقية، على مستوى الفكر، إلى دمج قيم التعددية، والديمقراطية السياسية، وحقوق الإنسان، لا تحتمل أى التواء، فى صلب المشروع الوحدوى العربى.

قيم المشروع وحدها هى التى تربط بين الإرث والمستقبل، حتى يكون ممكنًا أن يقف من جديد على أرض صلبة.

لا تمثل «يوليو» نظرية يُقاس على نصوصها، بقدر ما تُلخّص مشروعًا يُقاس على قيمه.

إنكار العدالة الاجتماعية انتقاص من فكرة الحرية نفسها.

الكلام المُرسل عن العدالة الاجتماعية أثناء ثورة «يناير» سهّل على الأيدى الخفيفة أن تلتقطه، وتذهب به إلى حيث تريد.

عندما افتقدنا تراكم التاريخ، خسرت فكرة الثورة اتصالها بحقائق مجتمعها وتاريخها، وأفقدت نفسها مرجعيات تُرشد دعوتها إلى العدالة الاجتماعية من واقع تجربة مصرية معاصرة وملهمة.

من طبائع الأمور أن تختلف التقديرات السياسية بشأن الأحداث الكبرى، وأدوار الثورات، وإرثها فى حياة الشعوب، غير أنه لا يصح أن تمضى بعض التقديرات إلى حد إهدار الذاكرة الوطنية، وإطلاق أحكام تفتقر إلى أدنى احترام لوقائع التاريخ الثابتة، مستبدة بها ثارات تاريخ أو أفكار.

ما حدث بالضبط أن الانقلاب على «يوليو»، وشرعيتها، وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية، لم يلحقه انقلاب على طبيعة النظام السياسى، بصورة تسمح بانتقال واسع إلى دولة مؤسسات حقيقية، يحكمها القانون والتوازن بين السلطات.

كأى نظام ثورى، فهو فعل استثنائى انتقالى، قاد أوسع عملية تغيير فى البنية الاجتماعية، وأخرج طبقات رئيسة إلى الحياة وتطلعاتها فى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وحقوق العمل وتكافؤ الفرص، وخاض فى الوقت نفسه معارك مفتوحة فى إقليمه وعالمه، ودخل حروبًا طاحنة فى الصراع على المنطقة.

لا يصح أن نُحاسب الثورات بغير قوانين حركتها، أو بأهداف غير التى تبنّتها، أو خارج السياق الذى عملت فيه، والعصر الذى احتضن تفاعلاتها.

بعض ما يتردد الآن من تشهير بـ«يوليو» ينطبق عليه تمامًا ما كتبه المفكر والناقد الأدبى الراحل الدكتور «لويس عوض» فى كتابه أقنعة الناصرية السبعة، من موقع النقد والاختلاف، لا الدفاع والاتفاق.

حين بدأ السجال يحتد داخل مصر، والحملات تأخذ مداها بين عامى 1974 و1975، كان يعمل أستاذًا زائرًا بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس).

«كنت فى أوقات متباعدة ألتقى فصائل من المصريين تقيم حفلات الحقد المستمر على عبدالناصر والناصرية، وتردد كل سخافة تقرؤها فى الصحف الأمريكية، فإذا رأت أن الجرائد الأمريكية تهلل لأن فايز حلاوة كتب مسرحية اسمها «يحيا الوفد تسب الروس»، مجدت فايز حلاوة دون أن تعرف شيئًا عن مسرحياته».

«وكنت أهتم بأن أسأل هؤلاء النازحين هذه الأسئلة المحددة: هل صادر عبدالناصر لك أو لأسرتك أملاكًا؟ فيقول: لا. هل سجنك عبدالناصر أو سجن فردًا فى أسرتك يومًا واحدًا؟! فيقول، من يحاسب الناس وهو فى أمريكا: لا. ففيم إذًا هذه المرارة ضد عبدالناصر؟ إنه خرب البلد بالقطاع العام والتبعية للسوفييت. كل ما فعله عبدالناصر دميم وينبغى نقده. حتى السد العالى ينبغى هدمه».

«كانت وجوههم مصرية وقلوبهم غير مصرية».

أهمية هذه الشهادة فى صاحبها، وأنه أدلى بها وهو يقف على الجانب الآخر من التجربة الناصرية، وفى معرض نقده لها.

ربما أراد أن يضع نفسه فى حيز مختلف، حتى لا تختلط وجوه ومواقف كأنها واحدة.

«للناصرية اليوم، وبعد وفاة صاحبها، نقّاد بلا عدد، ولكن لا تجوز مناقشة بعضهم لأنهم مجردون من الشرف الوطنى، أو من الشرف الشخصى» – كما كتب حرفيّا.

القضية ليست الاتفاق على قراءة واحدة للتاريخ، فهذا مستحيل تمامًا. القضية أن تكون هناك موضوعية فى القراءة، حتى يمكن أن يتحدد مجرى رئيسى للنقاش العام، يساعد مصر على استيعاب أهم تجاربها السياسية، وتجديد مشروعها، الذى هو المشروع الوطنى والقومى المتجدد وفق احتياجات العصور الجديدة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عبدالناصر ومشروعه الصراع على المستقبل عبدالناصر ومشروعه الصراع على المستقبل



GMT 08:01 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إلى إيران

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

عالم ماسك... «الماسخ»

GMT 07:56 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

GMT 07:54 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

حصرية السّلاح ليست خياراً

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إيران... لغز «العطش والعتمة» في بلاد الغاز

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كي لا يفقد لبنان جنوبه

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كامل الشناوي ويوسف إدريس ونجاة بالذكاء الاصطناعي!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 18:45 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته
  مصر اليوم - مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته

GMT 12:31 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

الرضاعة الطبيعية تقلل احتمالات إصابة الأم بالاكتئاب
  مصر اليوم - الرضاعة الطبيعية تقلل احتمالات إصابة الأم بالاكتئاب

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt