توقيت القاهرة المحلي 06:39:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التهجير القسري وسؤال سيناء

  مصر اليوم -

التهجير القسري وسؤال سيناء

بقلم - عبد الله السناوي

يلوح شبح نكبة فلسطينية وعربية ثانية فى أفق القصف الإسرائيلى العشوائى المتصل على غزة للانتقام من بيوتها وأهلها بعد عملية طوفان الأقصى، التى أذلت جيشها كما لم يحدث من قبل.
تتصاعد عمليات التقتيل والترويع لإجبار أكثر من مليون فلسطينى على النزوح من شمال غزة إلى جنوبها تمهيدا لتوطينهم فى سيناء على ما تخطط إسرائيل.
فى النكبة الأولى (1948)، أجبر نحو (750) ألف فلسطينى على النزوح من ديارهم وقراهم بالترويع والمجازر، التى ارتكبتها العصابات الصهيونية المسلحة.
بعد (75) عاما تتكرر مشاهد الترويع بصورة أفدح، تقتيل جماعى بكتل نيران هدمت بنايات فوق رءوس أهلها وأزالت أحياء بكاملها، استخدمت القنابل الفسفورية المحرمة دوليا، قطعت الكهرباء والمياه وقصفت المستشفيات وسيارات الإسعاف، للوصول إلى الهدف نفسه.. «التهجير القسرى».
نزح عشرات الآلاف إلى الجنوب هربا من الموت المحقق دون أن يكون لديهم أدنى استعداد لمغادرة القطاع المنكوب إلى سيناء والتوطن فيها بذريعة الأمن والحماية!
تستهدف الدعوات الإسرائيلية الملحة والمكثفة لإخلاء شمال غزة أمرين رئيسيين:
الأول، اقتحام غزة بعملية عسكرية برية واسعة لاجتثاث حركة «حماس» وتصفية قياداتها.
حروب المدن بذاتها مكلفة.
بالنظر إلى أن قطاع غزة يعيش فيه أكثر من مليونى فلسطينى على مساحة لا تتجاوز (365) كيلو مترا مربعا فإن العواقب قد لا تطيقها آلة الحرب الإسرائيلية، التى نالتها خسائر فادحة فى «طوفان الأقصى» وفقدت ثقتها فى نفسها.
بصورة أو أخرى تطلب إسرائيل عملية تلفزيونية غير مكلفة لإعادة هيبة جيشها وقدرته على الردع بعد أن تكون قد أخلت شمال غزة ودمرت كل ما ينبض بالحياة فيها.
الثانى، يتجاوز الحساب العسكرى المباشر إلى الاستهداف الاستراتيجى بإعادة طرح سيناريوهات «الوطن البديل» فى ظروف وحسابات جديدة تبدو فيها الولايات المتحدة والتحالف الغربى وحلف «الناتو» الطرف الآخر المباشر فى الصراع المحتدم على المصير الفلسطينى.
الوطن البديل طرح نفسه أولا فى «الخيار الأردنى»، أو أن ينزح سكان الضفة الغربية إلى الجهة الأخرى من نهر الأردن حتى يتم الاستيلاء عليها بالكامل والتوسع الاستيطانى فيها دون ممانعة من الكتل السكانية الفلسطينية.
تراجع ذلك الخيار بأثر تطورين مهمين، أولهما، بروز الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة بعد حرب (1967)، التى وجدت تعبيرها السياسى فى منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعى ووحيد للشعب الفلسطينى.. وثانيهما، توقيع معاهدة وادى عربة، بين الأردن وإسرائيل عام (1994).
ثمة اعتقاد أردنى راسخ، رغم تلك الاتفاقية، إنه إذا ما جرى توطين فى سيناء بذريعة الإفلات من الموت فإن الخطوة التالية سوف تكون إجبار أهالى الضفة الغربية بمجازر مماثلة على الزحف إلى الضفة الأخرى.
إعادة إنتاج سيناريوهات وهواجس الوطن البديل تعبير صريح عن تقوض مبدأ «حل الدولتين»، وعدم استعداد الدولة العبرية لأى انسحابات من أية أراض عربية محتلة منذ عام (1967) على ما تنص القرارات والمرجعيات الدولية.
الوطن البديل طرح نفسه ثانيا على سيناء المصرية بدواعى التخلص من صداع غزة والمقاومة المتمركزة فيها.
رغم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التى وقعت عام (1979)، ظل ذلك المشروع مطروحا فى دوائر التفكير والتخطيط الإسرائيلية.
طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» على الرئيس الأسبق «حسنى مبارك»، الذى كان رأيه قاطعا إنه «لا أنا ولا من هو أتخن منى يقدر على التخلى عن سيناء».
كان ذلك الاستنتاج صحيحا ودقيقا، إنه المستحيل بكل اعتبار، أو بأى حساب.
«التهجير القسرى» أخطر من الفصل العنصرى «الأبارتهيد»، والتقتيل الجماعى فى غزة أسوأ من غرف الغاز النازية فى سنوات الحرب العالمية الثانية.
بتعبير الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» فإن حصار غزة يشبه الحصار النازى لـ«لينينجراد» فى تلك السنوات.
هذه حقيقة ماثلة بقوة صور المأساة الفلسطينية وجثث الأطفال الملقاة أمام البيوت المهدمة فى غزة.
التدليس على الحقيقة بدا مروعا فى الخطابين الرسمى والإعلامى الغربى، باستثناء أصوات معدودة.
عاد سيناريو «التهجير القسرى» بدعم أمريكى عسكرى واستخباراتى كامل هذه المرة.
لم يكن إرسال حاملتى الطائرات الأمريكيتين «جيرالد فورد» و«إيزنهاور» إلى شرق المتوسط ووصول بوارج بريطانية إلى نفس المكان محض مظاهرة عسكرية لدعم إسرائيل بقدر ما كان رسالة ردع لإيران وحزب الله وكل من يفكر فى «استغلال الوضع الإسرائيلى المتدهور».
إنه دعم مطلق لإسرائيل وتصريح بالقتل والتهجير القسرى.
فى مستهل جولته بالمنطقة صرح «أنتونى بلينكن»: «جئت لإسرائيل كيهودى لا كوزير خارجية الولايات المتحدة».
تماهت المواقف الأمريكية مع الرؤية الإسرائيلية للصراع، انتهكت كل القيم والحقائق، اختلقت روايات لا أساس لها ولا دليل عليها وثبت كذبها كتورط مقاتلى «حماس» فى اغتصاب النساء وقطع رءوس الأطفال وجرى وصفها بأنها «داعشية».
كان ذلك تدليسا على الحقيقة فالصراع بين احتلال عنصرى استيطانى ومقاومة مشروعة وفق القوانين الدولية.
بدت قضية «الرهائن» أولوية مطلقة على جدول أعمال جولة وزير الخارجية الأمريكى فى المنطقة، ساعيا إلى إدانة «حماس» وتوفير دعم إقليمى للإفراج عنهم دون قيد أو شرط، أو تبادل مع أسرى فلسطينيين يقبعون فى السجون الإسرائيلية منذ عشرات السنين.
ثم كان لافتا دعوته إلى «توفير مناطق آمنة للفلسطينيين».
كانت تلك الدعوة أقرب أن تكون إعادة صياغة لأوامر الجيش الإسرائيلى لأهالى غزة بالنزوح من الشمال إلى الجنوب طلبا للأمن والسلامة، رغم أن طائراتها استهدفت النازحين وقتلت وروعت أعدادا كبيرة منهم.
تبدت فى أهدافه تبنيه لمشروع التهجير القسرى إلى سيناء.
بتعبير إسرائيلى تردد على الشاشات: «لماذا لا تطلبون من مصر بدواعى الأخوة العربية والإسلامية فتح الحدود لاستضافة الفلسطينيين بصورة مؤقتة؟».
الأجدر بالحقيقة طرح سؤال: «لماذا لا يتوقف الأمريكيون عن دعم ارتكاب كل جرائم الحرب بحق الفلسطينيين العزل؟».
السؤال الأكثر إلحاحا الآن: سيناريو «التهجير القسرى» إلى سيناء هل هو ممكن؟.. ثم هل يفضى إلى أى استقرار أو أمن للدولة العبرية؟
الإجابة على السؤال بشقيه: مستحيل تماما.
لا المصريون ولا الفلسطينيون ولا العالم العربى بأسره ولا أى دولة مؤثرة فى الإقليم كإيران وتركيا بوارد قبول ذلك السيناريو الكارثى.
غزة فلسطينية وجزء لا يتجزأ من فلسطين المحتلة، لا إخلاؤها ممكنا ولا حذفها متاحا.
«حماس» أكدت بوضوح لا يحتمل لبسا على لسان رئيس مكتبها السياسى «اسماعيل هنية»: «لا هجرة من غزة إلى مصر».
لا يوجد فلسطينى واحد مستعد أن يتقبل تكرار النكبة الأولى باستعارة أوطان بديلة.
وسيناء مصرية وسوف تظل كذلك، وقد بذل المصريون فواتير دم وتضحيات هائلة من أجل تحريرها والحفاظ عليها، هذه مسألة أمن قومى خارج أى نقاش لا يملك أحد التفريط فيها، أو المساومة عليها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التهجير القسري وسؤال سيناء التهجير القسري وسؤال سيناء



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt