توقيت القاهرة المحلي 14:50:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نصابون وقراصنة.. الصراع على قناة السويس

  مصر اليوم -

نصابون وقراصنة الصراع على قناة السويس

بقلم - عبد الله السناوي

على مدى التاريخ المصرى الحديث، بكل حروبه وأزماته، اكتسبت قناة السويس أهميتها المحورية فى تقرير مصير البلد. نحن بصدد أزمة جديدة تلوح مقدمتها فى طلب دونالد ترامب إعفاء السفن الأمريكية العسكرية والتجارية من رسوم عبور القناة. إنه عصر القرصنة على الموارد المصرية.
بالوثائق المصرية والفرنسية قاد فرديناند ديليسبس أخطر عملية نصب فى التاريخ الحديث، حيث امتلكت مصر (٤٤٪) من رأسمال الشركة دون أن يكون لها أية سيطرة على أمورها، فضلًا عن التضحيات الهائلة التى دفعها فلاحوها أثناء حفر القناة تحت السخرة.
مات نحو مئة ألف مصرى فى عمليات الحفر، وهو رقم مهول بالنظر إلى عدد السكان فى ذلك الوقت، نحو أربعة ملايين نسمة. لا بناها أمريكيون ولا كان لهم أى دور فى إنشائها - كما يزعم ترامب.
كان تأميم قناة السويس عام (1956) زلزالًا مدويًا فى أرجاء العالم، بقدر أهميتها فى التجارة الدولية واستراتيجيات القوى الكبرى. وصف رئيس الوزراء الهندى جواهر لال نهرو حرب السويس إنها محاولة لإلغاء التاريخ. هذا ما يحاوله الآن ترامب.
بنظرة أولى، يبدو طلب المرور المجانى عبر قناتى بنما والسويس نوعًا من العودة إلى الإرث الاستعمارى القديم واستخفافًا بالقانون الدولى والسيادة المصرية وأى معنى أو قيمة حاربت من أجلها مصر.
إذا ما صحت المساجلة بشأن قناة بنما، فإنها كذب صريح على التاريخ بشأن قناة السويس. لم تكن الولايات المتحدة كدولة حديثة قد أنشئت عند افتتاح قناة السويس (1869)! بلا تريث كلف وزير خارجيته ماركو روبيو التعامل فورًا مع هذا الوضع، كأنه أمر شبه إلهى واجب التنفيذ.
إذا غاب الرفض القاطع فإن ترامب سوف يمضى قدمًا لفرض الهيمنة الأمريكية الكاملة على قناة السويس، يقرر من يمر ومن لا يمر وفق حساباته ومصالحه دون أدنى اعتبار لنصوص وأحكام اتفاقية القسطنطينية عام (1888)، التى تنص على حرية الملاحة فى قناة السويس وتعترف بسيادة مصر عليها.
كانت تلك سيادة شكلية حتى استعادت مصر قناة السويس بقرار التأميم، كما بفواتير الدم التى بذلت فى حرب (1956). إننا أمام محاولة للعودة مجددا إلى السيادة الشكلية. إنه إلغاء آخر للتاريخ.
بنظرة ثانية، يتصل طلب "ترامب" بحربه التجارية المفتوحة على حلفائه وخصومه معا قبل أن يضطر إلى تأجيلها لمدة 90 يوما تحت ضغط الأضرار الفادحة، التى نالت من الاقتصاد الأمريكى نفسه.
عشية احتفاله بمرور مائة يوم على عودته إلى البيت الأبيض أضاف إعفاء السفن الأمريكية من رسوم العبور فى قناة السويس إلى قائمة إنجازاته المتخيلة. "إنها أفضل أول مائة يوم لأى رئيس فى التاريخ".
تشبه هذه الخطوة سلسلة الأوامر التنفيذية، التى أصدرها فى اليوم الأول له بالبيت الأبيض، وبينها الاستيلاء على قناة بنما، وضم كندا وجزيرة «جرينلاند» الدنماركية إلى الولايات المتحدة. تدخل دعوته لـ«تطهير غزة» من سكانها الفلسطينيين فى نفس سياق القرصنة حتى يتسنى له الاستثمار العقارى.
لم ينجح بإدارة الملفات الاقتصادية والاستراتيجية الضاغطة، لكنه لا يتوقف عن طرق الأبواب الأسهل كقناة بنما. صرح أمام الكونجرس بأنه قد استعادها عبر استحواذ «كونسورتيوم» أمريكى على ميناءين فى محيطها. شىء من ذلك قد يحاوله هنا.
رغم تراجع شعبيته وارتباك سياساته فإنه ينسب لنفسه قدرات خارقة، كل شىء يقدم عليه مذهل وجميل ورائع وقادة العالم يأتون إلى واشنطن ليروا رئيسكم ويعقدون معه الصفقات.
لا يتورع عن كيل السباب بمناسبة أو بغير مناسبة لخصومه الديمقراطيين خاصة الرئيس السابق «جو النعسان» ونائبته «كاملا هاريس»، التى خاضت الانتخابات الرئاسية أمامه.
«لن نركع لمتنمر.. وأمريكا نمر من ورق». كان ذلك توصيفًا مضادًا استعاد فيه الصينيون تعبيرًا شهيرا للزعيم الراحل ماو تسى تونج.
فى ذروة التصعيد المتبادل يسعى ترامب إلى عقد صفقة على قدر من الجدية والتوازن مع الصين. إنها حقائق القوة الاقتصادية فى عالمنا المعاصر.
بنظرة ثالثة، استراتيجية هذه المرة، قد يحاول ترامب توظيف دعوته بشأن قناة السويس لمقتضى المصالح الإسرائيلية فى الإقليم المضطرب والمأزوم بفداحة.
لا يستبعد بأى حال إذا ما صمتنا على تجاوز القانون الدولى واعتبارات المصالح المصرية أن يتخذ دعوته ركيزة لفرض نوع من الوصاية السياسية والعسكرية على البحر الأحمر.
قضيته الأولى فى جولته الخليجية المرتقبة ضخ تريليونات الدولارات بشرايين الاقتصاد الأمريكى، لكنه قد يعرج إلى تصورات استراتيجية تعمل على دمج إسرائيل بالمنطقة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإنهاء القضية الفلسطينية بالوقت نفسه.
باسم تأمين الملاحة الدولية فى البحر الأحمر والمشاركة بتكاليف الحرب على الحوثيين، واستعادة قناة السويس عافيتها، التى تضررت ماليًا وتجاريًا قد يبرر طلب الإعفاء من رسوم المرور.
الحقيقة أنه لا يحارب بالنيابة عن مصر، ولا من أجل حرية الملاحة فى البحر الأحمر، حتى يطالب بفواتير الحماية. إنه يحارب بالنيابة عن إسرائيل لإسكات ما تبقى من مصادر نيران مزعجة. عندما تتوقف النيران المشتعلة فى غزة وحروب التجويع تتوقف من تلقاء نفسها أية هجمات صاروخية عليها. هذه معادلة واضحة وبسيطة، لكنه لا يلتزم بمقتضياتها.
يصعد الغارات الجوية المكثفة دون إحراز نتائج ملموسة. يفكر فى تدخل برى، لكنه غير مستعد لتكاليفه البشرية الباهظة. يراهن على حلحلة ما فى المفاوضات الأمريكية الإيرانية لتأمين إسرائيل دون أن يكون لديه أدنى تصور لما قد يحدث فى اليوم التالى.
بأى حسابات وسيناريوهات تظل قناة السويس فى عين الاستهداف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نصابون وقراصنة الصراع على قناة السويس نصابون وقراصنة الصراع على قناة السويس



GMT 06:38 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الانكشاف اللبنانى.. الأسئلة المتفجرة!

GMT 06:31 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

أسباب غريبة للسعادة فى فيينا!

GMT 06:06 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

إنقاذ مشروع قومى!

GMT 06:04 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

هل يتغير ميزان الخوف فى المنطقة؟

GMT 06:03 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

مؤسسات دولية بنكهة إبستينية!

GMT 06:01 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ما بعد الأيام

GMT 05:58 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الأسئلة …!

GMT 05:56 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

حين تغيب الحقيقة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:22 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 08:51 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

توازن بين حياتك الشخصية والمهنية

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 11:27 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الإصابات تضرب الأهلي قبل عودة الدوري

GMT 22:48 2016 الثلاثاء ,29 آذار/ مارس

فوائد الليمون الهندي

GMT 23:02 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

السبانخ و البيض و المحار لتقوية الشعر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt