توقيت القاهرة المحلي 15:35:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العدوان على سوريا.. أهدافه وما بعده!

  مصر اليوم -

العدوان على سوريا أهدافه وما بعده

بقلم - عبد الله السناوي

هذه لحظة فارقة فى تاريخ المشرق العربى كله، لا سوريا وحدها. أُفلِت العِيار فى السويداء، وأشباح التقسيم تُخيِّم على المكان. رغم إعلان وقف إطلاق النار، تواصلت الاشتباكات المتقطعة وأعمال العنف المتبادلة بين عشائر بدوية مسلحة قريبة من السلطة فى دمشق وميليشيات تنتسب إلى الطائفة الدرزية، لا تُخفى رهانها على تدخل إسرائيلى.

لم تكن الحوادث الطائفية المرعبة فى السويداء محض انفلاتات تداعت بالفعل وردِّ الفعل، بقدر ما كانت تعبيرًا عن أوضاع قلقة بعد إطاحة النظام السابق دون أن يتأسس نظام جديد قادر على بناء دولة مواطنة وقانون.

بذريعة حماية الطائفة الدرزية، دخلت إسرائيل على الخط بعدوان على دمشق. إذا كان الهدف المُعلَن حماية الدروز فى السويداء، فلماذا تقصف الطائرات الإسرائيلية وزارة الدفاع وهيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسى؟! لم يحدث مثل هذا الهجوم منذ حرب أكتوبر (1973).

كان ذلك إنذارًا سياسيًّا يُرسم بالقوة المفرطة، ولا شىء غيرها، ملامح الشرق الأوسط الجديد، الذى تسعى إسرائيل إلى فرضه على المنطقة كلها. إنه «السلام بالقوة» و«الأمن بالقوة».. حسب صياغة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو. بذريعة الأمن، دعا إلى نزع السلاح، كل السلاح، من المنطقة الواقعة جنوب دمشق. فى انتشاء ظاهر، قال حرفيًّا: «تحقّق وقف إطلاق النار من خلال القوة، لا من خلال التوسلات أو الطلبات».

لم تتدخل إسرائيل بدواعٍ إنسانية لحماية الأقلية الدرزية أو إرضاءً للدروز الغاضبين داخل الدولة العبرية، لما يتعرض له أبناء الطائفة من تنكيل وترويع وإذلال. الاعتبارات الاستراتيجية لها الكلمة الأولى.

إننا أمام تنفيذ عملى لما يُطلق عليه إسرائيليًّا «حلف الأقليات» لإعادة بناء الشرق الأوسط من جديد. المقصود تفكيك الدول الوطنية فى المشرق العربى إلى دويلات أصغر وأضعف على أسس عرقية ومذهبية، تتولى إسرائيل قيادتها.

إننا أمام زلزال استراتيجى تُرسم خرائطه بالمجازر والفتن، لا بأقلام رصاص على خرائط، كما حدث فى اتفاقية «سايكس-بيكو» عام (1916).

لم تكن محض مصادفة توقيت أن يتوعّد المبعوث الأمريكى الخاص إلى سوريا، «توماس باراك»، لبنان بإعادتها إلى بلاد الشام. فى الكلام إشارات موحية إلى سيناريوهات محتملة لإعادة ترسيم سوريا ولبنان من جديد.

فى عام (1920)، أعلن الجنرال الفرنسى «هنرى جورو» قيام دولة جديدة باسم «لبنان الكبير» بذريعة حماية الأقلية المسيحية المارونية. كان ذلك تقسيمًا لبلاد الشام (سوريا)، قُصد به إضعافها، لا حماية الأقليات.

السيناريو نفسه مُرشّح أن يتكرر فى أوضاع جديدة، وتحت قيادة إسرائيلية هذه المرة، لا فرنسية.

يستلفت الانتباه أن سوريا، فى أوضاعها الحالية، لم تُطلق رصاصة واحدة تدافع بها عن سيادتها على أراضيها، أو تمنع استباحتها إلى هذا الحد. جرت تلك الاستباحة فى ظل إشارات ومواقف متواترة لسلطة الأمر الواقع، تنفتح على إسرائيل ولا تُمانع فى علاقات أمنية وسياسية تنسخ الماضى بالكامل.

لم تكن سلطة دمشق مقصودة بذاتها بل سوريا بكل ثقلها التاريخى والاستراتيجى والرمزى.

وفق تصريحات رئيس السلطة السورية أحمد الشرع، فإنه كان أمام خيارين: إما الدخول فى مواجهة مفتوحة مع الكيان الإسرائيلى، وإما أن يسحب قواته من السويداء تجنبًا لمزيد من الدماء. الحقيقة أنه كان خيارًا واحدًا إجباريًّا.

عند سقوط النظام السابق، استهدف الطيران الإسرائيلى مخازن الأسلحة وركائز ومقومات القوة العسكرية، بهدف تجريد البلد من أى قدرة على المواجهة وتركه عاريًا تمامًا أمام أى هجمات عليه.

فى الوقت نفسه، سارع الحكام الجدد إلى تفكيك «الجيش العربى السورى»، حافظوا على الاسم، وألغوا عقيدته العسكرية، التى تنظر إلى إسرائيل كعدو رقم واحد.

لم يتوافر للجيش الجديد، الذى أُنشئ عبر توحيد ميليشيات تنتمى إلى خط سياسى واحد إسلامى متطرف، أية خبرات تساعده على صد أى عدوان. كان تفكيك الجيش خطأ استراتيجيًّا يُقارب فى فداحته ما أقدم عليه الحاكم الأمريكى «بول بريمر» عند احتلال بغداد (2003) من حلّ الجيش العراقى ومؤسسات الدولة.

دخل العراق فى فوضى ضاربة، وتفشّت فيه التنظيمات التكفيرية، وأخطرها «داعش».

بالتكوين الأيديولوجى والفكرى للسلطة الجديدة، فإنها طرف رئيسى فى فتنة السويداء، لا حكم بين أطراف متنازعة.

فى أحداث الساحل الدامية ضد الطائفة العلوية، أُعلِن عن لجان تحقيق وتقصٍّ للحقائق. قيل إن أحدًا لن يفلت من الحساب، أيًّا كان موقعه ورتبته.. ثم لم يحدث شىء. الأمر نفسه قد يتكرر مرة أخرى فى فتنة السويداء، والجروح سوف تظل مفتوحة على أسوأ الاحتمالات.

الأخطاء والخطايا المتبادلة أكثر من أن تُحصى. أسوأ مقاربة ممكنة إنكار الدور الوطنى والعروبى للدروز.

فى المائة سنة الأخيرة، قدّمت الطائفة الدرزية رمزين استثنائيين دفاعًا عن العروبة، قضاياها ومعاركها الكبرى. أولهما: «سلطان باشا الأطرش»، القائد العام للثورة السورية الكبرى ضد المستعمر الفرنسى عام (1925)، قبل قرن بالضبط. إنه الرمز الأكبر لثوار «الجبل الأشم».

التنوع قوة مضافة لأى بلد، وتمزيق الأواصر المشتركة جريمة تاريخية متكاملة الأركان.

وثانيهما: «كمال جنبلاط»، الذى قاد الحركة الوطنية اللبنانية خلال سنوات الحرب الأهلية، دفاعًا عن المقاومة الفلسطينية فى مواجهة التيارات الانعزالية المتحالفة مع إسرائيل.

أمام سيناريوهات التقسيم الماثلة، تحتاج سوريا الآن إلى مقاربات جديدة لأزماتها، أن تنظر فى المرآة لتدرك أن حقوق المواطنة شرط أساسى لحرية البلد ومناعته ضد العدوان عليه واستباحة وجوده كله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العدوان على سوريا أهدافه وما بعده العدوان على سوريا أهدافه وما بعده



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt