توقيت القاهرة المحلي 08:33:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا تقوضت وحدة وادي النيل؟

  مصر اليوم -

لماذا تقوضت وحدة وادي النيل

بقلم - عبد الله السناوي

فصم الصلات والوشائج بين مصر والسودان مستحيل تماما.

شريان الحياة يجمعهما ووحدة المصير تتجاوز أى حسابات متغيرة.

كان استقلال السودان (١٩٥٦) صدمة كبيرة فى مصر أسندت مسئوليتها إلى «جمال عبدالناصر» دون تدبر وإنصاف.

استقر لعقود طويلة فى الخطاب العام مفهوم «السيادة المصرية على السودان»، دون التفات إلى أن العالم قد تغير، والسودان تغير، وحل محله مفهوم آخر هو «وحدة وادى النيل تحت التاج المصرى» ترتيبا على اتفاقية (١٩٣٦).

وفق شيخ المؤرخين المصريين المعاصرين الدكتور «يونان لبيب رزق»، فإن مصر سلمت عام (١٩٥٠) بحق تقرير مصير السودان، حين كان الدكتور «محمد صلاح الدين» وزيرا لخارجية حكومة «الوفد» الأخيرة، وهو رجل مشهود له بوطنيته وكفاءته.

الأسباب التى أفضت إلى استقلال السودان تتعدد وتتداخل، أهمها أن «الاتحاديين» الذين اكتسحوا انتخابات الجمعية التأسيسية صوتوا ضد الوحدة فى اللحظة الأخيرة، على عكس كل التوقعات والرهانات، وحسموا الأمر فى الجمعية التأسيسية دون انتظار موعد الاستفتاء الشعبى ــ حسبما نصت الاتفاقية التى وقعت فى القاهرة بين اللواء «محمد نجيب» والسفير البريطانى السير «رالف ستيفنسون»، ولم يكن «عبدالناصر» من ضمن فريقها المفاوض.

بموجب الاتفاقية تقرر انسحاب القوات المصرية والبريطانية فور صدور قرار من البرلمان السودانى برغبته فى الشروع باتخاذ تدابير تقرير المصير.

كان ذلك نصا مراوغا، فمصر نفسها محتلة منذ عام (1882)، وتجرى مفاوضات أخرى لجلاء القوات البريطانية عن أراضيها.

لم يكن لمصر أى دور فى الشأن السودانى، والاحتلال البريطانى ينفرد به دون اعتبار، أو تدخل، أو تساؤل من القاهرة بشأن ما يتخذه من إجراءات وتصرفات.

بدا الكلام عن وحدة مصر والسودان أقرب إلى الدعوات العاطفية دون أن تسندها حقائق على الأرض.

وكان دور الاحتلال البريطانى حاضرا ومؤثرا فى التحريض على فصم أى نزوع للوحدة بين البلدين.

وقد كانت لأبهة السلطة تأثيرها على من آلت إليهم قيادة المرحلة الانتقالية على ما يؤكد ــ الراحل «يوسف الشريف» أكثر الصحفيين المصريين اقترابا من «السودان وأهله» ــ وفق عنوان أهم كتبه.

كما كان لحل الأحزاب وتحريض الشيوعيين، الذين لم يبدوا حماسا لحكم «الضباط الأحرار»، و«الإخوان المسلمين» بعد المحاكمات التى جرت عقب محاولة اغتيال «عبدالناصر» عام (١٩٥٤)، فضلا عن أخطاء جسيمة فى إدارة الملف ارتكبت، أدوار متباينة فى الوصول إلى تلك النقطة غير المتوقعة.

هناك من يركز على أن عزل اللواء «نجيب»، ووالدته من أصول سودانية، هو السبب الجوهرى لإنهاء حلم الوحدة.

حسب شهادته هو نفسه فإنه فوجئ عند زيارة الخرطوم فى الأول من مارس (1954) للمشاركة فى افتتاح الجمعية التأسيسية بهتاف يستقبله: «لا مصرى ولا بريطانى.. السودان للسودانى».

عزل «نجيب» أثر على اتجاهات القرار السودانى، لكنه لم يكن العنصر الأساسى فيه.
وقد يدخل فى أسباب الاستقلال لغة التعالى التى يشتكى منها السودانيون حتى اليوم.

تقرير المصير حق أصيل، لكنه جرى القفز على الاستفتاء الشعبى، ولم يقل الشعب السودانى كلمته.
مع ذلك فهناك ما يستدعى الالتفات فى لغة الحوار حيث دأبت أعداد كبيرة من السياسيين والصحفيين المصريين على وصف الاستقلال بـ«الانفصال» دون تدقيق فى حمولات الأوصاف وتبعاتها، إذ قد ينظر إلى وصف الانفصال باعتباره إنكارا على السودانيين أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.

الأسوأ من ذلك كله ــ كما يلاحظ مؤرخ مدقق كالمستشار «طارق البشرى» ــ «لم تكن للحركة الوطنية المصرية منذ مطلع القرن العشرين حركة وحدوية تستهدف توحيد مصر والسودان، لم يحاول حزب واحد أن يتكون على أساس جامع من مصريين وسودانيين، ولا حاول جادا أن ينشط بين السودانيين، كما ينشط بين المصريين، ولا أن يبنى تشكيله من أهل البلدين معا».
«حزب الوفد نفسه لم يدخله سودانى ولا نشط فى السودان منذ نشأ حتى انتهى».

بعد استقلال السودان أطلق «عبدالناصر» جملة شاعت: «السودان المستقل قوة وسند لمصر، وهو خير من السودان الضعيف، الذى يختلف أهله حول وحدة وادى النيل».
كانت تلك الجملة تعبيرا عن حقائق وصلات لا تحليقا فى نزعات هيمنة.

فى وقت مقارب وقعت مصر اتفاقية أخرى لجلاء القوات البريطانية، أدارها «عبدالناصر» هذه المرة.

استدعت اتفاقية الجلاء مساجلات أخرى لم تتوقف إلا بعد حرب السويس واكتساب مصر، لأول مرة فى تاريخها الحديث، استقلالا حقيقيا.

لم تكن اتفاقية الجلاء مثالية وشابتها مثالب جوهرية.

وفق نصها: «تجلو حكومة المملكة المتحدة جلاء تاما عن الأراضى المصرية».. غير أنها اشترطت «فى حالة وقوع هجوم مسلح على أى بلد يكون عند توقيع هذا الاتفاق طرفا فى معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية، أو على تركيا أن تقدم مصر من التسهيلات ما قد يكون لازما لتهيئة قاعدة قناة السويس للحرب وإدارتها إدارة فعالة».

ذلك النص استثار غضب قطاع لا يستهان به من النخب السياسية على الاتفاقية.

رغم رفع العلم المصرى على قاعدة قناة السويس ونداء «ارفع رأسك يا أخى»، ظلت التساؤلات تطرح نفسها بإلحاح حتى أَمّمَ «عبدالناصر» القناة ودخل فى مواجهة عسكرية مفتوحة ضد العدوان الثلاثى.

فى (١٨) يونيو (١٩٥٦) أُجلى آخر جندى بريطانى عن مصر غير أن الاستقلال الحقيقى لم تحصل عليه غير بالدماء التى بذلت فى حرب السويس بعد تأميم الشركة العالمية لقناة السويس «شركة مساهمة مصرية» فى (٢٦) يوليو من نفس العام بعد أسابيع معدودة من الجلاء.

بأثر النتائج السياسية لحرب السويس اكتسبت مصر موضع القيادة فى العالم العربى، قادت حركات التحرير الأفريقية، ولعبت دورا جوهريا فى تأسيس حركة عدم الانحياز وصححت إلى حد كبير طبيعة علاقاتها بالسودان.

إثر هزيمة يونيو (1967) خرجت الخرطوم بكل ما فيها لاستقبال «عبدالناصر» حين وصلها للمشاركة فى قمة عربية طارئة.

كان ذلك استفتاء شعبيا ملهما فى وقت عصيب على وحدة المصير.
الحقائق تقول كلمتها فى نهاية المطاف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا تقوضت وحدة وادي النيل لماذا تقوضت وحدة وادي النيل



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt