توقيت القاهرة المحلي 05:07:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الترامبية المتهورة.. الرسوم الجمركية وما بعدها!

  مصر اليوم -

الترامبية المتهورة الرسوم الجمركية وما بعدها

بقلم : عبد الله السناوي

بدا مشهد الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، وهو يستعرض فى حديقة البيت الأبيض أمرا تنفيذيا يفرض بموجبه رسوما جمركية غير مسبوقة على واردات بلاده من دول العالم موحيا بنهاية عصر كامل تجاريا واستراتيجيا فى العلاقات الدولية.
تكاد تؤسس الرسوم الجمركية، التى شملت الحلفاء والخصوم على حد سواء، لقطيعة شبه كاملة مع إرث ما بعد الحرب العالمية الثانية، التى خرجت الولايات المتحدة من تحت أنقاضها قوة عظمى تقود تحالفا غربيا واسعا على جانبى المحيط الأطلسى فى مواجهة تحالف آخر يقوده الاتحاد السوفيتى.
فى (9) نوفمبر (1989) انهار جدار برلين وبدأ السقوط السريع للاتحاد السوفيتى والمنظومة الاشتراكية وذراعها العسكرية حلف «وارسو» الذى كان يقابل حلف «الناتو».
فى شريط سينمائى ألمانى أنتج عام (٢٠٠٣) باسم «وداعا لينين» لخص مشهدا واحدا بعض تراجيديا ما جرى بعد انهيار الجدار. كانت هناك مروحية تحلق فوق برلين متدليا منها بحبال من صلب تمثال ضخم لزعيم الثورة البلشفية ومفكرها الأكبر «فلاديمير لينين»، بينما ناشطة فى الحزب الشيوعى الألمانى تؤمن بأفكاره ترقب المشهد غير مصدقة.
مالت المروحية قليلا فبدت حركة التمثال كأن «لينين» يمد يده للناشطة الألمانية المصدومة بالمصافحة الأخيرة. أراد الشريط السينمائى أن يقول إن كل شىء قد انتهى. إثر انهيار القوة العظمى السوفيتية طرح سؤال: هل تنتظر القوة العظمى الأمريكية مصيرا مماثلا؟
استبعد «فرانسيس فوكوياما» بأطروحته «نهاية التاريخ» السؤال بحمولاته الاستراتيجية، فالتاريخ قال كلمته الأخيرة، بعدما وصل إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعى والثقافى والسياسى للإنسان. بقوة الحقائق تراجعت مقولات «فوكوياما» إلى الهامش وتبدد مفعولها بعدما استغرقت سجالات ونقاشات لوقت طويل نسبيا.
بعد نهاية الحرب الباردة أعادت أزمات النظام الدولى طرح السؤال حتى وصلنا إلى أزمة الرسوم الجمركية. يردد صحفيون ومفكرون أمريكيون الآن بصيغ عديدة: «وداعا لأمريكا التى نعرفها». إنه انقلاب استراتيجى كامل على إرث ثمانية عقود تلت الحرب العالمية الثانية.
كان «هارى ترومان»، الذى صعد للبيت الأبيض من موقع نائب الرئيس إثر وفاة «فرانكلين روزفلت» قبيل انتهاء الحرب، أول من أسس للقوة الأمريكية فى بنية نظام دولى جديد تنازعت القوة فيه مع الاتحاد السوفييتى.
ضرب «هيروشيما» و«نجازاكى» اليابانيتين بالقنابل الذرية لتسريع إنهاء الحرب كانت تلك جريمة تاريخية لا تغتفر لترهيب العالم بأسره.. غير أن حصول الاتحاد السوفيتى على الرادع النووى صاغ معادلات جديدة فى موازين القوى بين المعسكرين المتضادين.
أطلق «ترومان» مشروع «مارشال» لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب، لم يكن ذلك عملا خيريا بقدر ما كان لازما لاستيفاء مقومات القيادة، وهو ما يغيب عن إدراك «ترامب». أشرف على إنشاء حلف «الناتو» كذراع عسكرية للتحالف الغربى، الذى يضيق به «ترامب» بذريعة أعبائه المالية على الموازنة الأمريكية. مقارباته تنزع عن أمريكا أسس صعودها، فيما يردد دون كلل: «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»! بتشبيه لافت للكاتب «توماس فريدمان» فى الـ«نيويورك تايمز» فإن: «أمريكا أصبحت عظيمة بسبب الأشياء التى يكرهها ترامب».
يصعب حصر التفاعلات فى حدودها التجارية ومدى تأثيرها على الاقتصادات الدولية. المسألة فى صميمها تتعلق بمستقبل القوة الأمريكية ومستقبل النظام الدولى نفسه. هذه لحظة انكسار فادحة لأية قوة معنوية، أو سياسية منسوبة للولايات المتحدة.
بدا تبادل الاتهامات الحادة بين الحلفاء المفترضين مؤشرا على قرب انفضاض الشراكة التاريخية عبر ضفتى الأطلسى بين الولايات المتحدة والقارة الأوروبية. أوروبا تبحث بجدية عن وحدة موقف فى وجه الرسوم الأمريكية تتصدرها فرنسا وألمانيا. دول حليفة أخرى اعتبرت الرسوم الأمريكية عملا عدائيا يستدعى الرد بالمثل.
أطلق «ترامب» على اليوم الذى أعلن فيه الارتفاعات غير المسبوقة فى الرسوم الجمركية «يوم التحرير» قاصدا تحرير الاقتصاد الأمريكى من البضائع الأجنبية!.. دون أن يدرك مغبتها على مستقبل الاقتصاد الأمريكى نفسه. فى يوم واحد خسرت الأسهم الأمريكية أكثر من تريليونى دولار، وعانت البورصات العالمية خسائر تاريخية فادحة.
بتحذير مسبق كتب «فريدمان»: «إذا قمت بتدمير النظام العالمى فجأة بدون خطة واضحة باستثناء انتقام اليمين المتطرف فاستعد لرؤية ما يحدث للجميع».
بمصادفات التوقيت تماهى «ترامب» فى تضامنه مع زعيمة اليمين الفرنسى «مارين لوبان» إلى حد اعتبار الأحكام القضائية التى تمنعها من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة تماثل ما تعرض له من ملاحقات عليها قرائن وأدلة.
ثم كان إقدام رئيس الوزراء المجرى «فيكتور أوربان» أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية بذريعة أنها مسيسة ومعادية للسامية تعبيرا آخر عن وحدة اليمين المتطرف فى أمريكا وإسرائيل وفرنسا والمجر فى لحظة تاريخية واحدة.
أسوأ ما يعلق الآن بصورة الولايات المتحدة أن رئيسها أصبح زعيما لليمين المتطرف لا للعالم الحر حسب التوصيفات القديمة.
خشية أن تفضى ردات الفعل الاقتصادية والسياسية إلى الإضرار الفادح بالمصالح الأمريكية دعا وزير الخزانة «سكوت بيسنت» عبر محطة «سى. إن. إن»: «اهدأوا وخذوا نفسا عميقا، ودعونا نرى إلى أين تتجه الأمور لأن الرد الانتقامى سيؤدى إلى التصعيد».
إنها محاولة لامتصاص الغضب المتصاعد فى أنحاء العالم، وإبداء نوع من الاستعداد للتفاوض والتراجع كما اعتادت «الترامبية المتهورة» عندما تواجه بالردع لا الإذعان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الترامبية المتهورة الرسوم الجمركية وما بعدها الترامبية المتهورة الرسوم الجمركية وما بعدها



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt