توقيت القاهرة المحلي 19:29:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه؟

  مصر اليوم -

هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه

بقلم: عبد الله السناوي

كان ذلك سؤالًا وجهته إلى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى (17) يوليو (2010)، وطائرة خاصة تقلنا إلى العاصمة الليبية طرابلس للقاء أخير مع العقيد «معمر القذافى»، قرب هبوب العواصف على المنطقة كلها.

أجاب بخبرة السنين: «الاثنان».

كان داعى السؤال ما أُعلن للتو فى واشنطن ولندن، أن شركة «بى. بى» قد استخدمت نفوذها لدى اسكتلندا للإفراج عن المتهم الليبى فى قضية لوكيربى «عبدالباسط المقراحى»، فى صفقة وُقِّعت بمقتضاها ليبيا عقود تنقيب عن البترول مع الشركة البريطانية العملاقة.

كانت تجربة شيخ الإذاعيين المصريين والعرب «فهمى عمر» تلخيصًا تراجيديًا للسؤال والإجابة معًا.

فى مطلع حياته المهنية، وجد المذيع الشاب نفسه صبيحة (23) يوليو (1952) أمام قرار مصيرى: أن يسمح، أو يمانع بذريعة العودة إلى رؤسائه فى بث بيان الحركة، فموقعه لا يخوله سلطة أن يبت فى بث بيان أول جملة فيه: «اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين».

تحمل مسئولية الموقف بلا تردد، رغم وجود عوائق تقنية تمنع البث، لم يحاول أن يناور بها لاكتساب أى وقت.

سأل قائد القوة التى اقتحمت مقر الإذاعة القديم، البكباشى «أنور السادات»: هل أقدمك باسمك؟

رد عليه باقتضاب: «بل ممثل القيادة».

بافتراض أن حركة يوليو ــ كما كان يُطلق عليها فى البداية ــ لم يُقدَّر لها النجاح فى إزاحة النظام الملكى، فأى مصير كان ينتظر المذيع الشاب؟!

لم يكن يعتقد، عندما قدم بيان ثورة يوليو، أنه يخاطر بمستقبله كله.

حتى سنواته الأخيرة، وهو يروى قصة ذلك اليوم الاستثنائى فى التاريخ المصرى الحديث، لم ينسب لنفسه أية بطولة، أو يضفِ عليها أية صفات خاصة.

بحسه الوطنى أدى واجبه، وانتهى الأمر.

فى لحظة واحدة التقى الصحفى مع الخبر، والرجل مع قدره.

فى لحظة أخرى، بعد عشرين سنة ــ بالضبط ــ وجد نفسه على موعد جديد مع التاريخ، لكنه من نوع مختلف.

فى عام (1972) تصادف تكليفه بتغطية دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية فى ميونخ.

كانت الإذاعة وقتها تتولى وحدها مهمة إطلاع الرأى العام على مسابقاتها ونتائجها وكواليسها.

لم تكن هناك فضائيات تبث المسابقات على الهواء مباشرة كما هو الآن.

كان يُفترض فيمن يغطى الدورات الأوليمبية للإذاعات أن تكون لديه القدرة على وضع المستمع فى أجوائها، كأنه موجود بالمكان.

هذه كل مهمته، غير أن قدره وضعه فى قلب زلزال سياسى شغل العالم كله.

قامت مجموعة فلسطينية تطلق على نفسها «أيلول الأسود» باختطاف عدد من أعضاء البعثة الإسرائيلية داخل القرية الأوليمبية؛ حيث كان يقيم ويعمل.

كانت معضلته أن يغطى ما يحدث بأكبر قدر ممكن من الأمانة المهنية، وسط مشاعر عربية وحساسيات دولية لا سبيل إلى إنكارها.

لم يكن غائبًا عنه أن تأسيس «أيلول الأسود» يعبر عن غضب عارم فى صفوف حركة «فتح» ضد الأحداث الدامية التى شهدتها العاصمة الأردنية عمّان، قبل التوصل بشق الأنفس إلى وقف حمامات الدم إثر قمة عربية طارئة فى القاهرة (1970)، بذل خلالها «جمال عبدالناصر» مجهودًا خارقًا أفضى إلى رحيله المبكر فى الثانية والخمسين من عمره.

قيمة شهادة «فهمى عمر» عن أحداث ميونخ، التى سجلها فى كتيب صغير تناول بعض محطات تجربته، أنها تابعت أدق الأسرار والكواليس، ورصدت التداعيات ومواقف الأطراف المتداخلة وتحولاتها بأكبر قدر ممكن من المهنية.

لم تكن هذه مهمة سهلة، فالحدث بالغ الحساسية أمنيًا وسياسيًا، وتداعياته استدعت انحيازات متضادة على المسرحين الإقليمى والعالمى.

بدت تغطيته مثالًا على كفاءته المهنية فى الإلمام بموضوعه، وما يحيط به من تحديات وأسرار.

بنفس الكفاءة المهنية واصل إسهاماته فى ريادة العمل الإعلامى؛ حيث قدم برنامج «ساعة لقلبك»، الذى يعد واحدًا من أشهر البرامج الإذاعية فى التاريخ المصرى الحديث، وبرامج أخرى استقرت فى الذاكرة العامة كـ«مجلة الهواء».

يُنسب إليه تأسيس إذاعة الشباب والرياضة، وهو باليقين أهم إعلامى رياضى دون منازعة.

لسنوات طويلة اعتاد المصريون الاستماع إليه عبر إذاعة «البرنامج العام» عند الساعة السابعة وخمس دقائق، متابعة نتائج مباريات الدورى بلغة تمزج بين بلاغة الشعر وبساطة النفاذ، التى تصل إلى هدفها بيسر وسهولة فى مخاطبة الجمهور العام.

كانت سنوات رئاسته للإذاعة المصرية من أكثر فتراتها حيوية وإبداعًا وقربًا من قلوب المستمعين.

بالانتساب العائلى فهو حفيد «شيخ العرب همام»، أحد أساطير صعيد مصر فى مقاومة طغيان المماليك. مثل أهله وناسه بالمجلس النيابى ملتزمًا بذات الإطار العام لقيمه وانحيازاته الوطنية والمهنية.

ناهض الأخذ بالثأر، وعُهدت عنه الحكمة فى تصفية الكراهيات المتوارثة.

فى سنواته الأخيرة جرى التنبه لوجوده بيننا، استضافته برامج حوارية واستعادت تجاربه بين الرياضة والسياسة، لكنها لم تكن كافية للاستفادة منه كما ينبغى، أو كما هو واجب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt