توقيت القاهرة المحلي 19:28:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه؟

  مصر اليوم -

هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه

بقلم: عبد الله السناوي

كان ذلك سؤالًا وجهته إلى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى (17) يوليو (2010)، وطائرة خاصة تقلنا إلى العاصمة الليبية طرابلس للقاء أخير مع العقيد «معمر القذافى»، قرب هبوب العواصف على المنطقة كلها.

أجاب بخبرة السنين: «الاثنان».

كان داعى السؤال ما أُعلن للتو فى واشنطن ولندن، أن شركة «بى. بى» قد استخدمت نفوذها لدى اسكتلندا للإفراج عن المتهم الليبى فى قضية لوكيربى «عبدالباسط المقراحى»، فى صفقة وُقِّعت بمقتضاها ليبيا عقود تنقيب عن البترول مع الشركة البريطانية العملاقة.

كانت تجربة شيخ الإذاعيين المصريين والعرب «فهمى عمر» تلخيصًا تراجيديًا للسؤال والإجابة معًا.

فى مطلع حياته المهنية، وجد المذيع الشاب نفسه صبيحة (23) يوليو (1952) أمام قرار مصيرى: أن يسمح، أو يمانع بذريعة العودة إلى رؤسائه فى بث بيان الحركة، فموقعه لا يخوله سلطة أن يبت فى بث بيان أول جملة فيه: «اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين».

تحمل مسئولية الموقف بلا تردد، رغم وجود عوائق تقنية تمنع البث، لم يحاول أن يناور بها لاكتساب أى وقت.

سأل قائد القوة التى اقتحمت مقر الإذاعة القديم، البكباشى «أنور السادات»: هل أقدمك باسمك؟

رد عليه باقتضاب: «بل ممثل القيادة».

بافتراض أن حركة يوليو ــ كما كان يُطلق عليها فى البداية ــ لم يُقدَّر لها النجاح فى إزاحة النظام الملكى، فأى مصير كان ينتظر المذيع الشاب؟!

لم يكن يعتقد، عندما قدم بيان ثورة يوليو، أنه يخاطر بمستقبله كله.

حتى سنواته الأخيرة، وهو يروى قصة ذلك اليوم الاستثنائى فى التاريخ المصرى الحديث، لم ينسب لنفسه أية بطولة، أو يضفِ عليها أية صفات خاصة.

بحسه الوطنى أدى واجبه، وانتهى الأمر.

فى لحظة واحدة التقى الصحفى مع الخبر، والرجل مع قدره.

فى لحظة أخرى، بعد عشرين سنة ــ بالضبط ــ وجد نفسه على موعد جديد مع التاريخ، لكنه من نوع مختلف.

فى عام (1972) تصادف تكليفه بتغطية دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية فى ميونخ.

كانت الإذاعة وقتها تتولى وحدها مهمة إطلاع الرأى العام على مسابقاتها ونتائجها وكواليسها.

لم تكن هناك فضائيات تبث المسابقات على الهواء مباشرة كما هو الآن.

كان يُفترض فيمن يغطى الدورات الأوليمبية للإذاعات أن تكون لديه القدرة على وضع المستمع فى أجوائها، كأنه موجود بالمكان.

هذه كل مهمته، غير أن قدره وضعه فى قلب زلزال سياسى شغل العالم كله.

قامت مجموعة فلسطينية تطلق على نفسها «أيلول الأسود» باختطاف عدد من أعضاء البعثة الإسرائيلية داخل القرية الأوليمبية؛ حيث كان يقيم ويعمل.

كانت معضلته أن يغطى ما يحدث بأكبر قدر ممكن من الأمانة المهنية، وسط مشاعر عربية وحساسيات دولية لا سبيل إلى إنكارها.

لم يكن غائبًا عنه أن تأسيس «أيلول الأسود» يعبر عن غضب عارم فى صفوف حركة «فتح» ضد الأحداث الدامية التى شهدتها العاصمة الأردنية عمّان، قبل التوصل بشق الأنفس إلى وقف حمامات الدم إثر قمة عربية طارئة فى القاهرة (1970)، بذل خلالها «جمال عبدالناصر» مجهودًا خارقًا أفضى إلى رحيله المبكر فى الثانية والخمسين من عمره.

قيمة شهادة «فهمى عمر» عن أحداث ميونخ، التى سجلها فى كتيب صغير تناول بعض محطات تجربته، أنها تابعت أدق الأسرار والكواليس، ورصدت التداعيات ومواقف الأطراف المتداخلة وتحولاتها بأكبر قدر ممكن من المهنية.

لم تكن هذه مهمة سهلة، فالحدث بالغ الحساسية أمنيًا وسياسيًا، وتداعياته استدعت انحيازات متضادة على المسرحين الإقليمى والعالمى.

بدت تغطيته مثالًا على كفاءته المهنية فى الإلمام بموضوعه، وما يحيط به من تحديات وأسرار.

بنفس الكفاءة المهنية واصل إسهاماته فى ريادة العمل الإعلامى؛ حيث قدم برنامج «ساعة لقلبك»، الذى يعد واحدًا من أشهر البرامج الإذاعية فى التاريخ المصرى الحديث، وبرامج أخرى استقرت فى الذاكرة العامة كـ«مجلة الهواء».

يُنسب إليه تأسيس إذاعة الشباب والرياضة، وهو باليقين أهم إعلامى رياضى دون منازعة.

لسنوات طويلة اعتاد المصريون الاستماع إليه عبر إذاعة «البرنامج العام» عند الساعة السابعة وخمس دقائق، متابعة نتائج مباريات الدورى بلغة تمزج بين بلاغة الشعر وبساطة النفاذ، التى تصل إلى هدفها بيسر وسهولة فى مخاطبة الجمهور العام.

كانت سنوات رئاسته للإذاعة المصرية من أكثر فتراتها حيوية وإبداعًا وقربًا من قلوب المستمعين.

بالانتساب العائلى فهو حفيد «شيخ العرب همام»، أحد أساطير صعيد مصر فى مقاومة طغيان المماليك. مثل أهله وناسه بالمجلس النيابى ملتزمًا بذات الإطار العام لقيمه وانحيازاته الوطنية والمهنية.

ناهض الأخذ بالثأر، وعُهدت عنه الحكمة فى تصفية الكراهيات المتوارثة.

فى سنواته الأخيرة جرى التنبه لوجوده بيننا، استضافته برامج حوارية واستعادت تجاربه بين الرياضة والسياسة، لكنها لم تكن كافية للاستفادة منه كما ينبغى، أو كما هو واجب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه هل الصحفى هو الذى يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هى التى تبحث عنه



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt