توقيت القاهرة المحلي 08:34:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

افتراق الطرق بين عصرين!

  مصر اليوم -

افتراق الطرق بين عصرين

بقلم: عبد الله السناوي

كان رحيل «جمال عبدالناصر» فى (28) سبتمبر (1970) مفاجئا وصاعقا، لكنه لم يحل ــ رغم مشاعر الحزن التى غمرت المصريين ــ دون أن يبدأ الصراع على السلطة.
من يخلفه فى منصبه؟.. وكيف تُدار الدولة بعده؟
كان ذلك أمرا طبيعيا، فالسلطة ــ أى سلطة ــ لا تعرف الفراغ.
طرحت أفكار كثيرة فى لحظات الحزن مثل «القيادة الجماعية»، وضرورات التماسك والانتقال السلمى للسلطة، فالبلد لا يحتمل تنازعا عليها فى وقت حرب.
كانت تلك أفكارا نبيلة فى مقصدها ونواياها لم يُكتب لها أن تستقر على أرض، فالسلطة هى السلطة.
لخص مشهد واحد فى جنازة «عبدالناصر»، التى لا مثيل لها فى التاريخ الإنسانى، افتراق الطرق بين رجلين وتوجهين داخل بنية النظام، أولهما ــ نائب رئيس الجمهورية «أنور السادات»، وهو يتصور أن صعوده إلى منصب الرجل الأول محفوظ بالتراتبية والأقدمية، رغم أن دوره محدود وهامشى فى صنع القرار.. وثانيهما ــ أمين عام الاتحاد الاشتراكى ورئيس الوزراء السابق «على صبرى»، وهو يتصور أن صعوده إلى نفس المنصب محفوظ بحجم نفوذه داخل المؤسستين السياسية والأمنية.
فى ذلك المشهد تخلف الرجلان عن المضى مع الشخصيات الدولية والعربية خلف الجثمان قبل أن تضطرها الجماهير الملتاعة على ترك الجنازة.
عاد «السادات» إلى مجلس قيادة الثورة بالقرب من كوبرى الجلاء على كورنيش النيل مسنودا على اثنين من مرافقيه بعد إصابته بحالة إغماء.
أدخل على الفور إلى حجرة رجال المطافئ لتلقى الإسعافات الضرورية.
بعده مباشرة جاء «على صبرى» بداعى الإرهاق الشديد وأدخل إلى الحجرة نفسها.
كان «عادل الأشوح»، مدير مكتب أمين التنظيم الطليعى «شعراوى جمعة»، الذى يتولى فى الوقت نفسه حقيبة الداخلية، مكلفا بالإشراف على المكان.
حسب روايته فإنه طلب من الدكتور «حمدى السيد» ــ نقيب الأطباء فيما بعد ــ الكشف عليهما للنظر فيما إذا كان هناك خطر على حياتهما يستوجب التصرف العاجل.
قال «حمدى السيد»: «مافيش حاجة.. مرض سياسى».
أثناء مغادرتهما المكان قال «السادات» عند الباب الخارجى: «تعال يا على أوصلك».
ــ «لا اتفضل أنت.. طريقى غير طريقك».
كان ذلك التعبير الذى أطلقه «على صبرى»، بقصد دلالاته السياسية أو بدون قصد، مثار تعليق كل الذين استمعوا إليه، أو وصل إلى علمهم.
لم يكن «أنور السادات» شخصية مجهولة، فسجله معروف والتحفظات عليه معلنة فى أروقة التنظيم السياسى ودوائر الدولة، ومع ذلك مر بسهولة نسبية إلى مقعد الرجل الأول.
باستثناء أصوات معدودة فى التنظيم الطليعى، أو داخل الاتحاد الاشتراكى، لم تكن هناك ممانعة كبيرة فى التقدم به رئيسا لاستفتاء عام.
تكفلت المجموعة المهيمنة على مقاليد الأمور داخل مؤسسات الدولة بالدعوة إلى انتخابه رئيسا.
كانت المفارقة الكبرى أن «السادات» أودعها السجون بعد زهاء سبعة أشهر بتهمة التآمر عليه، فيما سميت بـ«ثورة التصحيح»، أو «انقلاب ١٥ مايو» (1971) بتوصيف آخر.
كان مثيرا أن توصف بـ«مراكز القوى»، و«مجموعة على صبرى»، رغم أنها لم تظهر حماسا لصعوده إلى موقع الرجل الأول وفضلت عليه «أنور السادات» الرجل الضعيف بظن أنه يمكن التحكم فيه!
فى مراجعات ما بعد هزيمة «يونيو» (1967)، التى سجلت فى محاضر رسمية، إشارات لنوع الصدام المتوقع بين الرجلين إذا ما اختفى فجأة الرئيس «عبدالناصر».
لم تبد فى مداخلات «السادات» أى انتقادات لنظام الحكم لها صلة بقضية الديمقراطية والحريات العامة.
مانع فى أى إقدام على التغيير مؤيدا على طول الخط «عبدالناصر» بغض النظر عن طبيعة نظامه، ولم يعرب عن أى توجهات اجتماعية تُعبر عن شخصية صاحبها.
حسب المحاضر نفسها، لم يمانع «على صبرى» فى التغيير، أو مراجعة ملف تجاوزات العليا لتصفية الإقطاع وإجراءات الحراسة، دون أن يمس طبيعة توجهات النظام الاجتماعية.
فى ظروف وتوازنات معقدة تقاسما السلطة، «السادات» رئيسا و«على صبرى» نائبا.
كان ذلك مشروع صدام مؤجلا بالنظر إلى طبيعة الرجلين.
فى لحظة الصدام وظّف «السادات» الانتقادات الجوهرية التى وجهها «عبدالناصر» لنظامه بغرض تصحيحه للانقضاض على مشروع يوليو نفسه.
فى أعقاب حرب أكتوبر (١٩٧٣) تهيأت الظروف للإعلان عن توجهات جديدة وبناء نظام آخر على أنقاض إرث «عبدالناصر» وتوجهاته وسياساته.
حين بدأ السجال يحتد داخل مصر والحملات تأخذ مداها بين عامى (١٩٧٤ــ 1975)، كان الدكتور «لويس عوض» يعمل أستاذا زائرا بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس).
«كنت فى أوقات متباعدة ألتقى فصائل من المصريين تقيم حفلات الحقد المستمر على عبدالناصر والناصرية وتردد كل سخافة تقرؤها فى الصحف الأمريكية، فإذا رأت أن الجرائد الأمريكية تهلل لأن فايز حلاوة كتب مسرحية اسمها يحيا الوفد تسب الروس، مجدت فايز حلاوة دون أن تعرف شيئا عن مسرحياته».
«وكنت أهتم بأن أسأل هؤلاء النازحين هذه الأسئلة المحددة: هل صادر عبدالناصر لك أو لأسرتك أملاكا؟ فيقول: لا. هل سجنك عبدالناصر أو سجن فردا فى أسرتك يوما واحدا؟! فيقول من يحاسب الناس وهو فى أمريكا: لا. فيما إذن هذه المرارة ضد عبدالناصر؟ إنه خرب البلد بالقطاع العام والتبعية للسوفييت. كل ما فعله عبدالناصر دميم وينبغى نقده. حتى السد العالى ينبغى هدمه».
«كانت وجوههم مصرية وقلوبهم غير مصرية».
أهمية هذه الشهادة فى صاحبها، وأنه أدلى بها وهو يقف على الجانب الآخر من التجربة الناصرية وفى معرض نقده لها.
ربما أراد أن يضع نفسه فى حيز مختلف حتى لا تختلط وجوه ومواقف كأنها واحدة.
«للناصرية اليوم وبعد وفاة صاحبها، نقاد بلا عدد ولكن لا تجوز مناقشة بعضهم لأنهم مجردون من الشرف الوطنى، أو من الشرف الشخصى».
هكذا كتب حرفيا، التوصيف نفسه يصح إطلاقه على بعض ما يكتب الآن.
بطبائع الأمور كان رد الفعل بذات درجة الضراوة، لا تسامح مع الحملة وأصحابها، ولا مهادنة مع الذين نقلوا مواقعهم من ضفة إلى أخرى فى ثورة مضادة كاملة.
رغم ذلك كله، فهناك من يصر بإلحاح إلى درجة مرضية أن مصر يحكمها منذ عام (1952) نظام واحد، كأن الانقلابات الاجتماعية والاستراتيجية وحملات التشهير المتصلة التى جرت بعد رحيل «عبدالناصر» لم تحدث أبدا!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

افتراق الطرق بين عصرين افتراق الطرق بين عصرين



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt