توقيت القاهرة المحلي 08:27:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نظرية السبعين سنة!

  مصر اليوم -

نظرية السبعين سنة

بقلم - عبد الله السناوي

ثورة «يوليو» إرث عام، لا يخص تيارا سياسيا بعينه، ولا جيلا دون آخر.
من حق جميع الأطراف الفاعلة فى المشهد العام باتساع العالم العربى كله، لا مصر وحدها، أن تبدى وجهة نظرها فى «يوليو» بالاتفاق أو الاختلاف، لكن بشرط ألا تزيف التاريخ وحقائقه الأساسية.
فى سبعينيات القرن الماضى إثر حرب أكتوبر أنهيت شرعية ثورة «يوليو» تماما وانقطعت صلتها بما بعدها من حقب سياسية توالت.
هذه حقيقة يصعب إنكارها، أو التدليس عليها.
الانقلاب على «يوليو» وشرعيتها وإنجازاتها وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية لم يلحقه انقلاب على طبيعة النظام السياسى، بصورة تسمح بانتقال واسع لدولة مؤسسات حقيقية، يحكمها القانون والتوازن بين السلطات.
وهذه حقيقة أخرى يصعب القفز عليها.
كأى نظام ثورى فهو فعل استثنائى انتقالى، قاد أوسع عملية تغيير فى البنية الاجتماعية بالتاريخ المصرى كله، أخرج طبقات رئيسية إلى الحياة وتطلعاتها فى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وحقوق العمل وتكافؤ الفرص، وخاض فى الوقت نفسه معارك مفتوحة فى إقليمه وعالمه، ودخل حروبا طاحنة فى الصراع على المنطقة.
بأدوارها التحررية اكتسبت مصر مكانة كبرى فى المعادلات السياسية الدولية، قادت تحرير القارة الأفريقية وأسست حركة «عدم الانحياز» مع الهند ويوغسلافيا.
لا يصح أن نحاسب الثورات بغير قوانين حركتها، أو بأهداف غير التى تبنتها، أو خارج السياق التى عملت فيها والعصر الذى احتضن تفاعلاتها.
هذه هى الأصول العلمية فى النقاش العام، أما إهدارها واعتبار كل ما جرى بعدها يدخل فى مسئوليتها، ففيه اعتداء صارخ على الحقائق الرئيسية التى ترتبت على الانقلاب عليها، وفيه تحميل للثورة بأكثر مما تطيقه الحقائق، فالثورة انتهت منذ عقود طويلة، وشرعيتها طويت صفحاتها، والنظم التى تلتها انقلبت على خياراتها السياسية والاستراتيجية.
بعض الكلام ينطوى على تعميم عشوائى دمج بين نظم وعصور متناقضة وأغلبه استهدف التشهير بالتاريخ لإغلاق صفحة «جمال عبدالناصر»، وما تمثله من قيم أهدرت وأحلام أجهضت.
مع بداية الانفتاح الاقتصادى عام (١٩٧٤) تردد فى السجال العام سؤال العدالة الاجتماعية وطبيعة الانقلابات الجارية فى البنية الطبقية للمجتمع، التى نظر إليها على نطاق واسع بأنها قطيعة عند الجذور مع شرعية «يوليو».
كانت انتفاضة الخبز فى يناير (١٩٧٧) ذروة الصدام الاجتماعى، فالسياسات تناقضت وتناحرت قبل أن تفترق الطرق إلى الأبد بتوقيع اتفاقيتى «كامب ديفيد» عام (١٩٧٨).
فى بداية عهد «مبارك» نجح فى وضع كمادات ثلج فوق الرأس المحموم، لكنه مال بالوقت إلى جمود طويل لا صلة له بدعاوى الخمسين سنة ــ حسب التعبير الذى تردد فى مطلع القرن.
فى «يناير« (2011) عاد الكلام مجددا عن «يوليو» من منظور جديد.
هناك من حاول أن يصور «يناير» كأنها ثورة على الستين سنة التى تلت «يوليو»، بزعم ــ لا يمكن إثباته ــ أنها حقبة سياسية متصلة، شرعية واحدة ونظام واحد.
هكذا تحولت الدعاوى إلى نظرية تستهدف فكرة الثورة ومعناها وأدوارها، التى دفع المصريون أثمانها كاملة.
كان ذلك استخفافا بحقائق التاريخ وهزلا فى مقام الجد.
بحركة الزمن يمكن توقع إضافات جديدة تمنع التعرف على مناطق القوة والضعف وفرص التصحيح والإضافة، كأن يحمل «عبدالناصر» مسئولية «السبعين سنة»، ثم «الثمانين سنة».. وهكذا بلا نهاية دون إدراك لمغبة ذلك على سلامة النظر إلى المستقبل.
لماذا «جمال عبدالناصر» بالذات؟
فى استهدافه حيا وميتا شهادة على قوة مشروعه وحجم تأثيره.
أى كلام يتجاهل الانقلابات الاستراتيجية والاجتماعية على مشروعه، أو يلحق به سياسات «أنور السادات» و«حسنى مبارك» وما بعدهما، تجهيل بالتاريخ يستهدف الذاكرة العامة حتى يكفر المصريون بأى معنى حقيقى للثورة، وحقوقهم الطبيعية فى التحرر والاستقلال والعدل، أو أية تطلعات للتصحيح والتصويب حتى يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة ـ كما طمحت «يناير» المجهضة.
بقوة الفعل التاريخى، لا الافتراضى، اكتسب «عبدالناصر» شعبيته وامتد إرثه بكل ما فيه من أحلام أجهضت.
حسب تعبير شهير للإمام «أحمد بن حنبل» عندما اشتدت محنته: «بيننا وبينكم الجنائز».
كانت جنازته بحجمها الاستثنائى والحزن العميق فيها شهادة لا تخطئ بعمق تجربته وإلهام مشروعه.
وكان مثيرا طغيان صورته بعد الرحيل حيث مصداقية الرؤية فى اختبار الزمن.
بأى نظر موضوعى فإن «يوليو» الحقيقة الكبرى فى التاريخ المصرى الحديث.
أمام عالم جديد يتبقى من التاريخ دروسه الأساسية وأفكاره وقيمه، التى صاغت مشروعات بعينها.
استوعب «عبدالناصر» فى مشروعه أفضل ما كان مطروحا من خيارات عصره، دمج التحرر الوطنى بالالتزام القومى العربى وبفكرة التغيير الاجتماعى والانحياز للطبقات الفقيرة.
كانت العدالة الاجتماعية صلب قاعدة شرعيته، حيث تعلقت باحتياجات البشر فى الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وقبل ذلك الحق فى العمل وفى عائد الناتج القومى، أن يكون إنسانا كريما فى وطنه وآمنا على مستقبله.
وكانت توجهاته العروبية أفق حركته فى محيطه.
أية توجهات تكتسب قيمتها من مستويات التزامها.
هناك حاجة حقيقية على مستوى الفكر إلى دمج قيم التعددية والديمقراطية السياسية وحقوق الإنسان، لا تحتمل أى التواء فى صلب المشروع الوحدوى العربى.
لا يمكن الحديث عن أى استنساخ لـ«حركة عدم الانحياز»، أو الوحدة العربية على النحو الذى جرى فى خمسينيات القرن الماضى.
الاستلهام غير الاستنساخ.
قيم المشروع وحدها هى التى تربط بين الإرث والمستقبل، حتى يكون ممكنا أن يقف من جديد على أرض صلبة.
إنكار العدالة الاجتماعية انتقاص من فكرة الحرية نفسها.
الكلام المرسل عن العدالة الاجتماعية أثناء ثورة «يناير» سهل على الأيدى الخفيفة أن تلتقطه، وتذهب به إلى حيث تريد.
عندما افتقدنا تراكم التاريخ خسرت فكرة الثورة اتصالها بحقائق مجتمعها وتاريخها، وأفقدت نفسها مرجعيات ترشد دعوتها إلى العدالة الاجتماعية من واقع تجربة مصرية معاصرة.
حدة السجال الممتد شهادة لـ«يوليو» بقوة النفوذ على الرغم من انقضاء الأزمان والرجال.
قوة «يوليو» فى مشروعها الذى غيّر خريطة مجتمعها وتجاوز حدودها إلى عالمها.
أفضل ما يتبقى من إرثها احتفاظه بقدرته على إلهام المستقبل.
الصراع على «يوليو» هو صراع على المستقبل.
رغم ضراوة الحملات عليها، واتصال التشهير بها عقدا بعد آخر، حتى ذكراها السبعين، فإنها تتأبى على مغادرة مسرح التاريخ الفعلى حيث إلهام المستقبل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نظرية السبعين سنة نظرية السبعين سنة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt