توقيت القاهرة المحلي 14:11:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عبدالناصر.. وحديث الرصاصة الأولى

  مصر اليوم -

عبدالناصر وحديث الرصاصة الأولى

بقلم: عبد الله السناوي

 لمرتين تاريخيتين تداخلت القاهرة بالإسناد والدعم والتخطيط المشترك فى إطلاق ثورتين مسلحتين، الجزائرية والفلسطينية.

الأولى، حققت هدفها فى الاستقلال.. والثانية، وقعت فى خديعة «أوسلو» قبل أن يواصل شعبها دفع فواتير الدم والتضحيات لنيل حقه فى تقرير المصير.

حديث الرصاصة الأولى يلامس الحقائق الأساسية عند منابعها فى لحظة حاسمة من الحرب على غزة.

إنه حديث المصير العربى الواحد، الذى لا ندركه ولا نعرف مكامن القوة فيه.

لم تكتسب مصر أدوارها وقيادتها للعالم العربى ولا تأكدت مكانتها على مسارح العالم الثالث من فراغ سياسات، أو بأوهام زعامة.

لكل دور أثمانه وتكاليفه.

فى يناير (1965) بادرت حركة «فتح» بإطلاق الرصاصة الأولى وحاولت أن تطرح القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطنى لا قضية لاجئين يحتاجون إعانات وإغاثات.

بعد هزيمة (1967) تبدت ضرورات إحداث تحول جوهرى فى الفكر السياسى الفلسطينى.

لم يكن ذلك ممكنا دون غطاء عربى قوى ومؤثر.

فى أكتوبر (1967) حضر إلى القاهرة ثلاثة من مؤسسى «فتح» «ياسر عرفات» و«صلاح خلف» و«فاروق قدومى» لمد الجسور معها.

حاوروا شخصيات مقربة من الرئيس «جمال عبدالناصر» أبرزهم الوزير «كمال الدين رفعت» والأستاذ «محمد حسنين هيكل».

بصورة مفاجئة أبلغهم «هيكل» إنه سوف يصحبهم بسيارته الخاصة للقاء شخصية مهمة.

كانت المفاجأة أنه «عبدالناصر» نفسه، الذى لخص موقفه فى جملة واضحة ومحددة: «أريد أن أسمع طلقة واحدة تدوى كل يوم فى الأرض المحتلة».

فى تلك الأيام بأجوائها الملبدة، تبدت حسابات جديدة على الساحة الفلسطينية.

وفرت القاهرة غطاء عربيا ودوليا كاملا لمنظمات العمل المسلح، قدمت «عرفات» إلى قيادة الاتحاد السوفيتى السابق، وتابعت نقل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من الخطباء إلى الفدائيين.

بقدر مماثل كان دور «عبدالناصر» جوهريا فى حرب تحرير الجزائر.

فى الثانى من يوليو عام (1954)، قبل سبعين سنة بالضبط، أطل «أحمد بن بيللا، أبرز قادة الثورة التى توشك أن تعلن، لأول مرة عبر أثير «صوت العرب».

بصوته المؤثر قدمه «أحمد سعيد» مؤسس «صوت العرب» بالكلمات التالية:

«أخ جزائرى فى حديث من العقل والقلب إلى الضمير والوجدان».

لم يكن «بن بيللا» يتقن العربية فى ذلك الوقت بأثر سياسات «الفرنسة» التى عانتها الجزائر.

كتب النص بالفرنسية.

شارك فى ترجمته إلى العربية أربعة رجال: «محمد خيضر» و«حسين آية أحمد» و«فتحى الديب» و«أحمد سعيد».

أعيدت كتابته مرة أخرى بحروف لاتينية كبيرة حتى يمكنه قراءتها للجمهور العرب».

«OHADISACOM-MEN-SAWT-ALARAB-MEN-ALKAHIRA-MADINATO-ALAZHAR-ALSHARIF»

«أحدثكم من صوت العرب من القاهرة مدينة الأزهر الشريف».

على ذلك المنوال كتب بقية الخطاب «التاريخى» بكل ما يحمله الوصف من معنى وقيمة، كلحظة إطلاق للثورة الجزائرية.

كانت نهاية الخطاب مؤثرة وملهمة: «كان الفرنسيون يقولون فى أعماقهم دون صوت أيام بطش الاحتلال النازى فرنسا للفرنسيين.. فليردد كل الجزائريين، ولو بصوت أخرس صباح مساء، كلما رأوا فرنسيا جنديا أو مستوطنا الجزائر للجزائريين».

كرر العبارة نفسها باللغة الفرنسية.

كان قاسيا على مشاعر «بن بيللا» "أنه لا يستطيع أن يتحدث بلغة بلاده وقرآن دينه.

قطع التسجيل أكثر من مرة لاعنا «الفرنسة»، التى فرضتها سلطات الاحتلال على بلده ومواطنيه.

هكذا وصف «أحمد سعيد» مشاعر الرجل، الذى ربطته به صداقة عميقة إلى آخر العمر، فى مذكرات خطية لم يتسن لها أن تنشر حتى الآن.

أثناء سنوات سجن «بن بيللا» فى باريس بعد اختطاف طائرة تقله مع أربع قيادات تاريخية أخرى علم نفسه العربية وأتقنها.

فى يوليو (١٩٦٢) ألقى خطابا آخر عبر «صوت العرب» من الجزائر المستقلة، لكن هذه المرة بلغة عربية متمكنة.

فيما بعد روى «بن بيللا» فى حوار صحفى أن أكثر ما أثقل مشاعره أن مترجما حضر أول اجتماع مع «أخى جمال»، لكن «القلوب تكلمت».

فى حوارات القاهرة أبلغ «بن بيللا» السلطات المصرية أن الرصاصة الأولى سوف تطلق فى الساعة الواحدة من صباح (٣٠) أكتوبر (١٩٥٤).

كانت توجيهات «عبدالناصر» إلى «فتحى الديب»، الذى يتولى من موقعه متابعة الملف الجزائرى بأدق تفاصيله: «عندما يثبت تنظيم الكفاح المسلح ومن يومه الأول قدرته على العمل الثورى الشامل فإن مصر سوف تلقى بثقلها كاملا عارفة بمسئوليتها ومتقبلة لتضحياتها».

هكذا بالحرف.. لكنه بدا متحفظا على الحماس الزائد، الذى خطط لنحو ثمانين عملية فى اليوم الأول: «يكفينى ١٥ أو ١٦ عملية بامتداد الجزائر وأن تكون ذات دوى فى العاصمة حتى تلفت أسماع العالم».

لأسباب ميدانية تأجلت العمليات المسلحة، التى خطط لها أن تشمل أنحاء واسعة من الجزائر، إلى الأول من نوفمبر.

فى ذلك اليوم من عام (١٩٥٤) بدأت تتوالى الأخبار من وكالة الأنباء الفرنسية عن «محاولات تخريب، تقدر خسائرها بآلاف الفرنكات».

«اندلعت الشرارة الأولى للكفاح الجزائرى، الذى اعتقد الجميع أنه أمر مستحيل، ليستمر أكثر من سبع سنوات، ناضل خلالها الجزائريون بقوة وجدية ورجولة أكسبتهم احترام الرأى العام العربى والدولى على السواء».

عندما علم «عبدالناصر» أن دوى الانفجارات أرعب قوات الاحتلال الفرنسى تأكد أن الجزائر قد استعادت استقلالها وأكدت هويتها العربية، وأن الباقى تفاصيل.

كان التفكير الاستراتيجى المصرى يربط ما بين تطلعات المصريين للاستقلال الوطنى فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتطلعات العرب للهدف ذاته.

إنها وحدة المصير العربى.

هذه الفكرة ــ بالذات ــ كانت أساس الدور الإقليمى المصرى خمسينيات وستينيات القرن الماضى.

فى معركة الجزائر تأكد الدور المصرى فى عالمه العربى بلا مَن أو ادعاء.

القاهرة تابعت أدوارها من الرصاصة الأولى فى نوفمبر (١٩٥٤) حتى استقلت الجزائر فى يوليو (١٩٦٢) حاضرة فى قلب التخطيط السياسى والإعلامى والعسكرى شريكا كاملا فى المعركة.

لا تكتسب الأدوار بالادعاء.

هذا هو درس «عبدالناصر».

ولا تكتسب الحقوق بالمجان ولا يحدث استقلالا دون أن يدفع ثمنه غاليا.

هذا هو درس الثورة الجزائرية، الذى تمضى المقاومة الفلسطينية على طريقه اليوم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عبدالناصر وحديث الرصاصة الأولى عبدالناصر وحديث الرصاصة الأولى



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt