الخطوة الأولى إلى تحريرنا.. أنت بها بدأت»
«يا أيها الغارق فى دمائه جميعهم كذبوا وأنت قد صدقت».
بتلخيص يلامس المشاعر المصرية والعربية فى وقت هزيمة عسكرية فادحة، هكذا أنشد الشاعر السورى الكبير الراحل «نزار قبانى» مودعًا الفريق «عبدالمنعم رياض».
إنه إلهام الشهيد والشهادة، أو أن يواجه رئيس أركان القوات المسلحة المصرية قدره على جبهة القتال الأمامية أمام جنوده، لا وراءهم.
لم يكن مصادفة اختيار يوم استشهاده (9) مارس (1969) يومًا للشهيد.
المعانى الكبرى لا تموت بتغير الأزمان.
إذا لم ندركها فإننا نهدر كل قيمة فى حياتنا المعاصرة.
وإذا لم ندرك معانى التضحية فى سبيل الأوطان فإن حمم النيران فى الإقليم سوف تداهمنا بغير استعداد وتأهب.
مصر فى قلب الاستهداف، ومشروع «إسرائيل الكبرى» ماثل.
هذه حقيقة التدليس عليها خطيئة كبرى متكاملة الأركان.
استعادة إلهام «رياض» فى ظروف الإقليم الحالية تكاد أن تكون شبه محتَّمة لسلامة النظر إلى ضرورات حماية البلد وحفظ أمنه ووجوده نفسه.
عندما استشهد خرج ملايين المصريين لوداعه فى جنازة مهيبة بميدان التحرير، ربما لم يسمعوا اسمه من قبل.
بدا استشهاده محزنًا وملهمًا فى الوقت نفسه، أعاد للمصريين ثقتهم فى قواتهم المسلحة وفى قدرتها على تحرير الأراضى المحتلة.
شارك «جمال عبدالناصر» فى الجنازة الحاشدة، ذاب بين الجماهير الحزينة دون حراسة تقريبًا، بينما الجماهير تهتف من أعماق قلبها:
«رياض مامتش والحرب لسه مانتهتش».
إنه معنى الشهيد والشهادة.
المعنى ذاته تكرر فى الانتفاضة الطلابية عام (1972).
كان هناك عرض فنى على مسارح جامعة القاهرة عنوانه: «البعض يأكلونها والعة»، وهو أقرب إلى الاسكتشات الساخرة من بعض ما كان يجرى فى الجبهة الداخلية وقتها.
كانت صورته تتصدر شاشة على خلفية المسرح عند انتهاء كل اسكتش، والرسالة هنا أن ما يجرى فى الجبهة الداخلية من تجاوزات لمسئولين كبار فى السلطة فيه تنكر لمعنى القتال والشهادة.
فى كل مرة كانت تُعرض صورته كان التصفيق مدويًا.
إثر هزيمة يونيو (1967) كان صعوده إلى موقعه، بجوار نخبة من القيادات العسكرية التى تتميز بمعايير الكفاءة وحدها، تعبيرًا عن تصحيح جدى لما كان يجرى داخل القوات المسلحة من قبل.
كان تقدير «رياض» أن جولة جديدة من الحرب فى سيناء محتَّمة لاعتبارين لا يمكن تجاهلهما.
الأول: استعادة الأراضى المحتلة فى سيناء بقوة السلاح، وذلك هو نص تكليفه برئاسة أركان حرب القوات المسلحة.
والثانى: استعادة الثقة فى النفس وضمان سلامة المجتمع بالنظر إلى مستقبله. كان ذلك موضوع نقاش مستفيض أجراه مع «عبدالناصر».
بكلمات قاطعة فى معانيها ومباشرة فى رسائلها:
«أرجوك يا سيادة الرئيس ألا تقبل عودة سيناء بلا قتال، حتى لو عرضوا عليك الانسحاب الكامل منها بلا قيد أو شرط».
فـ«عودة سيناء بلا قتال تفضى إلى انهيارات اجتماعية وأخلاقية وخسارة أية قضية فى المستقبل».
«لا مستقبل لشعب يتعرض لاحتلال أراضيه ثم لا ينهض لحمل السلاح مستعدًا لدفع فواتير الدم».
بعض أسباب الانهيارات الأخلاقية فى بنية المجتمع المصرى بعد حرب أكتوبر تعود إلى أن الذين حصدوا غنائمها لم يكونوا هم الذين عبروا الجسور فوق القناة.
رؤيته اكتسبها من خبرته كـ«ضابط مدفعية»، حسب شهادة الأستاذ «محمد حسنين هيكل».
«قبل أن يطلق داناته عليه أن يحسب المسافات بدقة، ناظرًا إلى الأفق المفتوح وخلفه الأهداف العسكرية».
«المساحات أمامه متسعة داخلة فى الكون، والسماء تنطبق على الأرض، والمدافع التى تقصف ما تستطيع أن تصل إليه، والصواريخ التى تجتاز حدودًا وبلدانًا حتى تصل إلى مواقعها، دعته لإدراك أهمية الجغرافيا وخرائطها».
«بحكم ثقافته واطلاعه، وهو قارئ تاريخ مهتم ومدقق، فإن الصلة بين التاريخ والجغرافيا حاضرة فى حواراته».
«عرفت عبدالمنعم رياض لأول مرة عن طريق خاله حسن صبرى الخولى، الممثل الشخصى لجمال عبدالناصر، وكان إعجابه بزعيم يوليو ظاهرًا فى كلماته وإيماءاته؛ يؤيد تجربته ومقتنع بها ويشاركه الأفكار ذاتها. وإن أردت أن تستخدم المصطلحات السياسية الحالية فإنه ناصرى».
«كان رياض هو الرجل الذى توصل إلى أنه إذ لم يكن بوسع قواتنا مجاراة إسرائيل فى قدرة سلاحها الجوى، فإن بمقدورها إلغاء أثره وفارق تفوقه اعتمادًا على الدفاع الجوى وشبكة صواريخ متقدمة. وهو الرجل الذى وضع الخطوط الرئيسية لخطة عبور قناة السويس وتحرير سيناء، التى طورها الفريق سعد الدين الشاذلى فى حرب أكتوبر».
هكذا بالحرف، كأنه يطل على المستقبل وحروبه فى المنطقة.
ثم إنه كان يدرك بعمق ما وراء الحوادث من تفاعلات وثغرات.
«سيادة الرئيس.. إننا فى هذا الذى رأيناه لهم.. رأينا مقتلهم».
سأله «عبدالناصر»: «أين ذلك؟».
أجاب: «الغرور!».
كان ذلك تعقيبًا على ما عرضه اللواء «حسن البدرى»، الذى أسندت إليه مهمة تقصى أسباب الهزيمة العسكرية فى يونيو، من تسجيلات للجنرالات الإسرائيليين بأصواتهم وصورهم على شاشة فى بيت الرئيس بمنشية البكرى.
لا يلخص «رياض» وحده الملحمة العسكرية المصرية فى الأيام الصعبة التى لحقت هزيمة يونيو طلبًا لتحرير الأرض بقوة السلاح، لكنه جسد برحيله على جبهة القتال الأمامية، فى لحظة مصيرية فارقة، إلهام الشهيد والشهادة.