توقيت القاهرة المحلي 01:26:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القرد يكتب «أكون أو لا أكون»

  مصر اليوم -

القرد يكتب «أكون أو لا أكون»

بقلم:خالد منتصر

كنا، ونحن مازلنا فى طور الطفولة الفكرية الساذجة، مبهورين بما يقوله د. مصطفى محمود عن التطور، والهجوم العنيف على داروين ونظريته، وكانت أقوى الحجج التى كانت تقنعنا آنذاك هى الحجة الشهيرة التى كنا نظن أنه قائلها، ولكننا اكتشفنا فيما بعد أنها الحجة الجاهزة التى طالما تكررت على ألسنة وفى كتابات أصحاب نظرية التصميم ومنتقدى ومنكرى التطور، الحجة التى كان يتحدى بها مصطفى محمود داروين، كانت «بتوع التطور والمؤمنين به.

عاملين زى اللى جابوا قرد ووضعوا أمامه آلة كاتبة وطلبوا منه يكتب هاملت، يدق على الآلة الكاتبة، ويقطع الورق، ويكتب تانى، لغاية الحجرة ما اتملت ورق مقطع، اتدفن القرد تحته»، اكتشفنا عندما كبرنا وقرأنا دوكنز وغيره ممن رسخوا وشرحوا التطور، بل وأضافوا إليه، لدرجة أنك معهم، تحس أن داروين وضع مجرد نقاط عامة، وأن التطور قد أضيفت إليه حقائق جعلت كتاب أصل الأنواع ليس مصدر الفهم الأول للنظرية، عندما قرأنا هؤلاء الأفذاذ، اكتشفنا المغالطة المنطقية المرعبة التى أوقعنا فيها د. مصطفى محمود، فهذه الحجة التى تبدو مقنعة، وهى واهية، هى تضليل واضح عن مفهوم النظرية.

وتهاجم شيئًا لا تقوله نظرية التطور أصلاً، فهى تفترض أن التطور يقول إن الحياة المعقدة ظهرت دفعة واحدة بالصدفة الخالصة، كما لو أن القرد كتب مسرحية شكسبير كاملة بضربة حظ واحدة. بينما التطور لا يقول ذلك أبدًا، التطور ببساطة يتكون من طفرات عشوائية (تولد وتفرز تنوعًا)، وانتقاء طبيعى غير عشوائى (يبقى المفيد ويزيل الضار)، مصطفى محمود ركز على الجزء الأول، ونسى أو تناسى عمدًا الجزء الثانى، أشرح لك كيف، تخيل أن القرد كتب حرفًا صحيحًا من أول مرة، فى المثال الذى يطرحه برنامج العلم والإيمان، يتم مسح الحرف وإعادة المحاولة من الصفر كل مرة، أما فى برنامج التطور.

فإذا ظهر حرف مفيد فإنه يُحتفظ به، ثم يُبنى عليه الحرف التالى وهكذا، والفرق هائل وعظيم، سأشرح لحضرتك بتبسيط أكثر، وبنفس المثال الذى قاله د. مصطفى، لو طلبت من قرد أن يكتب الجملة: «TO BE OR NOT TO BE»، فإن احتمال كتابتها دفعة واحدة ضئيل للغاية، وشبه مستحيل، لكن لو احتفظنا بكل حرف صحيح يظهر فى مكانه، ثم واصلنا المحاولة على بقية الحروف، فإن الوصول إلى الجملة يصبح سريعًا بشكل مدهش، مع الوضع فى الاعتبار أننا نتحدث عن مئات الملايين من السنوات، يحدث فيها هذا التراكم وتلك الطفرات والتغيرات الحثيثة والبطيئة، وأن إهمال عنصر الزمن فى التطور، هو تعمد تضليل، وهذا ما أوضحه عالم الأحياء Richard Dawkins فى برنامجه، فقد أظهر أن الانتقاء التراكمى يحول مهمة شبه مستحيلة إلى عملية قابلة للحدوث خلال عدد محدود من الخطوات، إذا أردت الوصول إلى قمة جبل، فليس عليك أن تقفز من السفح إلى القمة فى خطوة واحدة، يمكنك الصعود مترًا بعد متر، كل متر ناجح يُحفظ ولا تبدأ من الصفر، وهذا هو جوهر التطور.

بل إن علماء الرياضيات أظهروا أن إضافة آلية اختيار بسيطة تغير الاحتمالات بشكل جذرى. فالفرق بين «البحث العشوائى الكامل» و«البحث التراكمى الموجه بالانتقاء»، يشبه الفرق بين البحث عن إبرة فى مجرة كاملة وبين الصعود على سلم درجة درجة، التطور لا يشبه قردًا يكتب شكسبير دفعة واحدة، بل يشبه ملايين النسخ المتتالية من نص، يُحتفظ فى كل جيل بالكلمات التى أصبحت أفضل قليلاً من الجيل السابق، ولهذا السبب لم يرَ علماء الأحياء فى هذه الحجة هدمًا لنظرية التطور، بل مثالاً كلاسيكيًا على الخلط بين العشوائية المطلقة والانتقاء التراكمى، والحياة نفسها تثبت لنا كل يوم أنها مليئة بأمثلة تثبت ذلك، فالبكتيريا تطور مقاومة للمضادات الحيوية خطوة خطوة، والفيروسات تطور طفرات جديدة جيلاً بعد جيل، والنباتات والحيوانات المدجنة تغيرت صفاتها عبر تراكم تغييرات صغيرة عبر آلاف الأجيال.

كل هذه أمثلة يمكن ملاحظتها عمليًا، وليست مجرد حسابات نظرية، لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: «ما احتمال أن يظهر إنسان أو عين أو جناح دفعة واحدة؟»، لأن التطور لا يدعى ولم يدعِ ذلك أصلاً، السؤال الصحيح هو: «هل يمكن لتغييرات صغيرة متراكمة، يحتفظ الانتقاء الطبيعى بالمفيد منها عبر ملايين السنين، أن تنتج هذا التعقيد؟»، وهذا هو السؤال الذى أمضت البيولوجيا الحديثة أكثر من قرن ونصف فى اختباره، وكانت الأدلة المتراكمة من الوراثة والحفريات وعلم الأحياء الجزيئى مؤيدة بقوة لهذه الفكرة، ببساطة من لا يؤمن بنظرية داروين فى التطور، هو فى نفس مكانة من لا يؤمن بنظرية نيوتن فى الجاذبية، التطور حقيقة علمية، والجاذبية حقيقة علمية، وليس فلان أو علان هم الشهود على صحة وصواب تلك الحقيقة، ولكن الكون كله بآلياته وقواعده وكائناته وحركته هو أهم شاهد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القرد يكتب «أكون أو لا أكون» القرد يكتب «أكون أو لا أكون»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt