توقيت القاهرة المحلي 05:34:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ضريبة تطور أم عيوب صناعة (٣)

  مصر اليوم -

ضريبة تطور أم عيوب صناعة ٣

بقلم:خالد منتصر

السمكرة لفظ لا يحبه الأكاديميون وينظرون إليه بنظرة تعالٍ ونفور، برغم أننى أراه أنسب وصف لما يفعله التطور فى الكائنات من أجل التكيف والانتقاء والانتخاب الطبيعى. وهذا سيفسر لنا ما كتبناه فى المقالين السابقين عن ضريبة التطور، التى إن لم نعترف بها سنقع فى فخ عدم التأدب مع الخالق ونسبة عيوب الصناعة إليه. أى أن رافض التطور من حيث لا يدرى، يتوهم أنه بهذا الرفض يقود الشباب للإيمان، وهو فى الحقيقة يقودهم للاتجاه العكسى، لأن هذه الأجزاء تشريحيًا بها أخطاء وعيوب طبقًا للكتالوج الذى يتخيله.

لماذا اخترت السمكرة وهو وصف يفضله واحد من أهم علماء التطور وهو دوكنز؟ تخيل أنك ذهبت بسيارتك الفيات إلى السمكرى وقلت له احتفظ بهيكلها لكن ببعض السمكرة اجعلها مرسيدس. بالطبع بعد السمكرة، ولكى يجعلها مرسيدس، ستكون هناك بعض العيوب أو الأعراض الجانبية لهذا الطلب من جانب حضرتك فى السيارة الأصلية. وإذا كانت سيارتك مخصصة لأجواء الإسكيمو، وجئت بها لبلاد الخليج، وأردت تركيب تكييف فيها بدون مكان مخصص له، بالطبع من خلال السمكرة والتعديل ستحدث بعض العيوب.

وهذا بالضبط ما حدث مع تطور الإنسان. فمثلًا، نقص المساحة داخل الفك لاستيعاب ضروس العقل أدى إلى انحشارها. هناك ألم والتهابات، وأحيانًا نلجأ للجراحة وخلعها. ما علاقة هذا بالتطور؟ الإجابة هى أن الفك البشرى تقلص بمرور الزمن نتيجة تغير النظام الغذائى من مضغ الأطعمة الصلبة النيئة إلى الأطعمة المطبوخة والرخوة، لكن الجينات المسؤولة عن تطوير ضروس العقل لا تزال موجودة. ولو رفضنا التطور، سيفرض سؤال عويص مستفز نفسه، وهو هل ضرس العقل هذا موجود فقط لمصلحة أطباء الأسنان، كما هى الزائدة الدودية لمصلحة الجراحين، لكى يحققوا دخلًا أكبر من الخلع والجراحة!!؟ كذلك الحوض الضيق نتيجة تطور المشى على قدمين، بينما تطور حجم دماغ الجنين إلى حجم كبير يتفق مع نمو المخ الإنسانى لمزيد من الإدراك والخيال والقدرات العقلية، لم يتماشَ اتساع الحوض مع هذا الحجم، مما يجعل الولادة صعبة وخطيرة أحيانًا. ما هى علاقة هذا بالتطور؟ التوازن بين القدرة على المشى بفعالية، والحفاظ على فتحة حوض تكفى للولادة، نتج عنه هذا التعارض التطورى المعروف بـ«Difficult Birth Trade-Off».

أما العصب الحنجرى الراجع فهو من أهم الدلائل على تلك الضريبة التطورية. وهناك تجربة مشهورة موجودة على اليوتيوب يجريها دوكنز من خلال تشريح رقبة الزرافة ليجعلك ترى بنفسك المسافة التى يقطعها هذا العصب، والالتفاف العجيب الذى لا منطق له ولا لزوم حول شريان الأورطى حتى يعود ويغذى الحنجرة!! يعنى كأنك بتروح من القاهرة للإسكندرية عن طريق أسوان! وإذا لم تقتنع بأن هذا المسار يعود إلى الأسلاف المائية للفقاريات فأنت قد وقعت فى مشكلة بلا حل، حيث كان القلب فى موضع مختلف، ومع تطور الرقبة لم يعدَّل المسار، بل كان البديل هو تمدد هذا العصب مع نمو الرقبة حتى صار رقيقًا جدًا من هذا المط والمد.

وأيضًا ما يطلق عليه الشبكية المقلوبة، والتى فيها مستقبلات الضوء خلف طبقة الأعصاب والأوعية الدموية. يعنى كأنك طلعت سلوك التليفزيون من أمام الشاشة! هذا يجعل الضوء يمر أولًا بهذه الطبقات ويخلق نقطة عمياء عند خروج العصب البصرى. والعجيب أن الأخطبوط لديه تصميم أفضل حيث هذه المستقبلات تواجه الضوء مباشرة. لكن لماذا هذا الوضع المعكوس؟ هذا بسبب الطريقة التى تطورت بها العين من الفقاريات، فهى قد تطورت من طبقة من الخلايا العصبية الموجودة فى الدماغ، مما أدى إلى هذا الترتيب العكسى.

وهذه الأمثلة السريعة تعطينا ملخصًا عن آلية التطور، فهو «يُسمكر»، أى يحسن التكيفات والتراكيب القائمة ولا يعيد التصميم من الصفر. التطور لا يبتكر حلولًا مثالية، وإنما يُسمكر لكى يتكيف الكائن ويتكاثر.

التطور لا يعبأ بأحلام حضرتك، ولا توقعات سيادتك، ولا بالنموذج الذى تتخيله فضيلتك، هو يساعدك فقط على الاستمرار فى بيئتك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ضريبة تطور أم عيوب صناعة ٣ ضريبة تطور أم عيوب صناعة ٣



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt