توقيت القاهرة المحلي 02:21:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النجاة من السعادة!

  مصر اليوم -

النجاة من السعادة

بقلم:خالد منتصر

أعرف أنك متعجب من هذا العنوان، وغالبا تعتبره من الأخطاء المطبعية للجريدة، وتلوم المصحح اللغوى، أو تتهمنى بالجنون، هل هناك على ظهر هذا الكوكب من يريد أن ينجو من السعادة؟!، الإجابة نعم، إنها الروائية كارول ستوركا فى مسلسل PLURIBUS، ذلك المسلسل الذى يتابعه العالم الآن ويحبس أنفاسه مع حلقاته التى عرضت منها ٤ حلقات فقط، اسم السيناريست والمخرج فينيس جليجان صار علامة مسجلة على الجودة والإتقان وخلق جو من التوتر والإيقاع الدرامى الذى يعتبر مسطرة قياس الآن، ومرجعًا لكل كتّاب السيناريو فى العالم، جليجان فى كل الاستفتاءات هو أعظم سيناريست معاصر فى العالم، ومسلسله breaking Bad هو رقم واحد الذى يتربع على قائمة الدراما، الفن إذا لم يكن مختلفا، ولم يقدم جديدا، فقد خصمت منه صفة الفن، كارول رفضت السعادة حين صار المقابل أن تفقد فردانيتها، سر إبداعها، طاقة الاختلاف والتميز عندها، كارول رفضت الصمغ الاجتماعى الذى يريدون فرضه عليها، المسلسل يطرح هذا السؤال الوجودى المدهش الذى من فرط بساطته لا نستطيع الإجابة عنه، سؤال صادم، طرحه جليجان بعبقرية، من خلال رسم محكم لشخصيات منحوتة ببراعة، وحوار فلسفى قوى وغير معقد وبدون مصطلحات كبيرة أو «مكلكعة»، البداية إشارة من الفضاء، لكنها إشارة بيولوجية، يتم التقاطها فى أحد المعامل، تنتقل كفيروس، يبدأ انتشار العدوى، يصبح العالم كله من المتصلين ذوى الوعى الجماعى، الذين يتحدثون دوما بصيغة الجمع، يحسون نفس إحساس السعادة والرضا، لا يكذبون، هم جميعا فى نفس القالب، بنفس الابتسامة، ينجو ١٣ فردا فقط من بينهم كارول، من غير المتصلين بتلك الإشارة من فيروس السعادة الجماعية، العالم وكأن بلدوزرا قد سار عليه، صار الناس «مبططين» عاطفيا، نفس «الاسطمبة»، كأنهم خارجون من ماكينة «أويما»، صاروا متشابهين كعيون اليابانيين أو حبات اللوبيا، كارول روائية رومانسية عندها دائما وسواس الكمال، تفقد صديقتها مع هجمة هذا الفيروس، ترفض الاندماج والانصهار مع هذا المجتمع، تريد النجاة من ألم الذوبان فى تلك السعادة، ترفض هذا المجتمع الذى صار شبكة عصبية واحدة، تعطى نفس النبضات، هم يريدون إرضاءها بكل السبل وإدخالها نادى السعادة والرضا، وهى ترفض، بكل إصرار وعناد، تدخل السوبر ماركت تجده خاليا، فالناس لا حاجة لهم بالتنوع، ويوصلون نفس الطلب لكل البيوت، تصرخ: أريد التنوع، أريد الاختلاف، أريد الاختيار، حتى الهزار والسخرية لا يفهمونه، كل الكلام عندهم يفهمونه بمعناه الظاهرى، فى وسط مكالمة مع إحداهن، تقول فى التليفون إنها تريد وتتمنى أن تكون فى حوزتها قنبلة يدوية لتفجيرهم، فيحضرون لها قنبلة يدوية، وينفجر منزلها، وتحترق حديقتها، تتوالى الأسئلة الصادمة: هل الحرية بديل السعادة؟، هل الألم مهم للإنسان؟، هل الذوبان الجمعى مرفوض وكريه؟، هل يمكن لنظام «رقيق ولطيف» أن يكون أكثر رعبًا من أى ديكتاتورية، هل يمكن لمجتمع كامل أن يعيش بلا فردية؟، كارول تمثّل نقص الإنسان، فوضاه، غضبه، حيرته، رغباته، خوفه، وحدته، رغبته الداخلية المتشوقة المتحرقة ضد الانصهار، الشغوفة بالفردانية، كارول هى تجسيد لفكرة «أن تكون إنسانًا = أن تكون غير كامل»، ولهذا تصبح كارول الخطر الأكبر على النظام، هى ليست مضادة للعدوى، بل هى مضادة للفلسفة التى يمثلها Pluribus الذى هو ليس فيروسًا بل فكرًا، الكمال بلا فوضى، التناغم بلا اختلاف، السعادة بلا شخصية، العالم بلا فرد، وهذا وجوديا انتحار للإنسانية، الجميل والمدهش فى المسلسل أنه لا يقدم إجابة، والحوار فيه بين المتصلين وغير المتصلين متوازن جدا، وكل من كارول والمتصلين له حجته، ومازلنا ننتظر كيف سينتهى الصراع بين الانصهار الجماعى فى السعادة المزعومة، وبين التحرر والحفاظ على حرية أن أكون أنا لا أنتم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النجاة من السعادة النجاة من السعادة



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt