توقيت القاهرة المحلي 23:28:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين

  مصر اليوم -

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين

بقلم: خالد منتصر

أحياناً وأنا أتابع مظاهر التنطع باسم الدين، ومحاولة البلطجة واستعراض العضلات بالطقوس، أحس أننا فى حفلة زار باتساع حدود الوطن، الدين عندنا لم يعد الضمير، لكنه صار شو فى حفل تنكرى!، أستطيع تشخيص هذا المرض تحت اسم «العصاب الدينى الجماعى»، وهو ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، ولا يعنى أن التدين مرض نفسى؛

فالدين كان ولا يزال بالنسبة لملايين البشر مصدرًا للمعنى والسكينة والتضامن، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المقدس من مساحة للطمأنينة والتساؤل الأخلاقى إلى ماكينة ضخمة لإنتاج الخوف والذنب واليقين المطلق، فالخائف يريد إجابة مطمئنة حتى ولو وهم، أكثر مما يريد حقيقة صادمة حتى ولو ملموسة، حين يضرب الزلزال مدينة، يستطيع العلم أن يحدثك عن الصفائح التكتونية، لكن العقل المذعور يريد شخصًا مذنبًا، ننسب إليه العقاب، وحين ينتشر الوباء، يشرح الطبيب الفيروس والمناعة والعدوى،

بينما يبحث البعض عن خطيئة تفسر الكارثة، وحين تنهزم أمة، تصبح دراسة الأسباب الاقتصادية والسياسية والتعليمية، أصعب بكثير من جملة مريحة تقول: لقد حدث ذلك لأن السماء غاضبة منا، العالم يا سادة مرعب لأنه لا يقدم ضمانات، قد يمرض الصالح وينجو الشرير، وقد يموت الطفل بينما يعيش العجوز، وقد تهزم المصادفة أكثر خطط البشر إحكامًا، تحمل هذا القدر من عدم اليقين يحتاج إلى نضج نفسى كبير، لذلك يصبح اليقين المطلق مخدرًا فعالًا، كل شىء له تفسير، وكل مصيبة لها مذنب، وكل سؤال له جواب جاهز، وقد لمح فرويد إلى وظيفة نفسية كهذه عندما رأى أن الإنسان قد يبحث فى الدين عن صورة الأب الحامى فى مواجهة كون لا يبالى بمخاوفه،

ويمكن الاعتراض على اختزال فرويد للدين، وقد فعل ذلك كثيرون، لكن سؤاله النفسى يظل مشروعًا، كم من معتقداتنا نختارها لأنها صحيحة، وكم منها نتمسك به لأنها تجعلنا أقل خوفًا؟، ثم يأتى الخوف من الحرية، شرح إريك فروم، الفيلسوف وعالم النفس الشهير، أن الإنسان لا يهرب دائمًا من السجن؛ أحيانًا يهرب من الحرية نفسها، فالحرية تعنى الاختيار، والاختيار يعنى المسؤولية، والمسؤولية تعنى احتمال الخطأ، أما السلطة المطلقة فتعرض صفقة مريحة، لا تسأل، نحن سنجيب بدلاً منك، لا تختَر، نحن سنختار، لا تشك، فالشك خطر،

ومن هنا يبدأ طبخ وتصنيع العقل المطيع، لا يحتاج المجتمع المغلق الرجعى إلى سجن كل مواطنيه، إذا نجح فى زرع السجّان داخل رؤوسهم، يكفى أن يصبح السؤال عيبًا، والشك ضعفًا، والنقد خيانة، والاختلاف سقوطًا أخلاقيًا، عندها يمارس الإنسان الرقابة على نفسه بنفسه، وربما يخاف من فكرة لم ينطق بها أكثر مما يخاف من فعل ارتكبه، ومع وسائل التواصل الاجتماعى أصبح الخوف أسرع من أى وقت مضى، واعظ يطلق نبوءة، وصفحة تنشر شائعة، وشخص يربط كارثة طبيعية بسلوك اجتماعى، ثم يعيد الآلاف نشر الرسالة نفسها، وبعد آلاف المشاركات يحدث التحول الخطير، التكرار يرتدى قناع الحقيقة، وهنا تظهر قوة الجماعة.

فالإنسان يخشى النبذ أكثر مما يتصور، فإذا كان ثمن السؤال أن تخسر محيطك الاجتماعى، يصبح الصمت أكثر أمانًا، وكل شخص يظن أن الآخرين أكثر يقينًا منه، بينما قد يكون الآخرون أنفسهم يخفون شكوكهم للسبب ذاته، وهكذا يمكن لمجتمع كامل أن يصنع جدارًا من اليقين، وكل حجر فيه إنسان خائف، وفى الحالات الأكثر تطرفًا يتحول الضمير نفسه إلى غرفة تعذيب، هل كانت نيتى نقية؟، هل قلت العبارة بطريقة صحيحة؟، هل الفكرة العابرة التى مرت بعقلى خطيئة؟ هل هذه المصيبة عقاب لى؟، وهنا قد نغادر مساحة التدين الطبيعى إلى ما يعرفه الطب النفسى باسم الوسواس الدينى، وهو أحد الأشكال التى يمكن أن يظهر بها اضطراب الوسواس القهرى، لكن المفارقة أن الإيمان الناضج قد يقف على الجانب الآخر تمامًا، فالإيمان الذى يحتمل السؤال أقوى من الإيمان الذى يخافه، والتدين الذى يمنح صاحبه الرحمة والسكينة يختلف جذريًا عن تدين يبقى جهازه العصبى فى حالة إنذار دائم، وفزع مزمن، فالشك ليس دائمًا عدوًا للحقيقة، أحيانًا يكون الطريق الوحيد إليها، العلم تقدم لأنه قال: ربما نكون مخطئين، والفلسفة بدأت لأن إنسانًا امتلك الجرأة ليسأل: لماذا؟، والحضارة نضجت عندما أصبح من الممكن الاعتراض دون أن يصبح جريمة، الخطر إذن ليس فى أن يؤمن الإنسان، بل فى أن يتصور أنه امتلك الحقيقة كاملة،

عندها لا يعود اليقين إجابة تهزم الخوف، بل يصبح الخوف حارسًا لليقين، وأخطر مجتمع ليس المجتمع الذى كثرت فيه الأسئلة، بل المجتمع الذى ماتت فيه الأسئلة لأن الجميع أصبحوا يحفظون الإجابة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt