توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كيف يقتلون بضمير مستريح؟!

  مصر اليوم -

كيف يقتلون بضمير مستريح

بقلم: خالد منتصر

قبل أن يقتلوا الإنسان، هناك خطوة قبل شحذ السكين، يغيرون اسم الضحية، يعلمهم أميرهم، لا تسمِّ الضحية إنساناً، سمّه حيواناً، صرصاراً، نجساً، كافراً، سرطاناً يجب استئصاله..الخ،

عندما تنجح فى تغيير الاسم، وشيطنة الشخص، تكون قد قطعت نصف الطريق إلى القتل بكل راحة ضمير، لأن الكلمات ليست مجرد أصوات نصف بها الأشياء، بل هى نظارات نرى من خلالها البشر، فى حقيبة محمد عطا، قائد إحدى مجموعات ١١ سبتمبر، التى لم تلحق بطائرته فى مطار بوسطن، عثر المحققون على وثيقة اشتهرت باسم «الليلة الأخيرة»، كما عُثر على نسخ منها مرتبطة بخاطفين آخرين، نسبتها الأغلبية لمحمد عطا، الوثيقة مذهلة فى قدرتها على جمع النقيضين: الوضوء والعطر والصلاة من ناحية، والسكاكين والاستعداد للقتل من ناحية أخرى. وفى البند الخاص بالسلاح تأتى العبارة الصادمة: «اجعل سكينك حادة، ولا تؤلم حيوانك أثناء الذبح»،

هكذا الترجمة، توقفت عند كلمة «حيوانك»، لم يعد هناك مضيف طيران له أم تنتظره، ولا مسافرة أم لها طفل ستعود إليه، اختزلت المسألة فى حيوان يستحق الذبح!، إنها ليست زلة لسان عابرة، بل هى بوابة نفسية اسمها فى علم النفس الاجتماعى: Dehumanization، نزع الإنسانية، فالإنسان الطبيعى لديه فرامل أخلاقية تمنعه من إيذاء إنسان آخر، يرى دموعه، يسمع صراخه، يتخيل ألمه، فيتأثر ويتعاطف، ولكى تستطيع الأيديولوجيا تحويل هذا الإنسان إلى قاتل، عليها أولاً تعطيل تلك الفرامل، لكن السؤال، كيف؟، بإقناعه بأن الضحية ليست مثله، بل هى فى درجة أدنى، عالم النفس ألبرت باندورا وضع هذا ضمن نظريته الشهيرة عن Moral Disengagement، فك الارتباط الأخلاقى، نحن لا نتخلص بالضرورة من أخلاقنا لكى نرتكب الشر، نستطيع بدلاً من ذلك أن نعيد وصف الشر بطريقة تسمح لنا بالاحتفاظ بصورة أخلاقية عن أنفسنا، يصبح القتل «واجباً»، والعدوان «دفاعاً»، والضحية مسؤولة عما حدث لها، ثم تأتى الخطوة الأخطر، تجريدها من صفاتها الإنسانية، لم يخترع إرهابيو سبتمبر هذه الحيلة، قبل غرف الغاز بسنوات، مهدت الدعاية النازية لاستباحة قتل اليهود، لم تقل مباشرة، اقتل جارك اليهودى، لكنها بدأت بإعادة تعريف اليهودى نفسه، أصبح فى الدعاية «طفيلياً»، و«مرضاً»، و«حشرة ضارة»، وربطته الدعاية النازية بالأوبئة والقذارة، كما حدث فى الفيلم الدعائى النازى الشهير Der ewige Jude، «اليهودى الأبدى»، وبعد نصف قرن تقريباً، كررت رواندا التجربة نفسها بمفردات أخرى، قبل وأثناء الإبادة الجماعية ضد التوتسى سنة ١٩٩٤، استخدمت إذاعة RTLM المتطرفة خطاباً يصور التوتسى كأعداء، ووُصفوا بـ«الصراصير»، وكذلك بالثعابين والحيوانات، إذن إذا أردت القتل بارتياح، فغير الاسم أولاً، جارك الذى كنت تشترى منه الخبز بالأمس ليس جاراً اليوم، إنه مجرد صرصار، والصرصار لا يحاور، بل يسحق!!، هكذا بدايات الإرهاب الجنينية، وهنا يكمن الجانب الشرير فى التلاعب باللغة، فالقاتل لا يستطيع دائماً النوم إذا قال لنفسه: «لقد قتلت أباً لطفلين»، لكنه يستطيع أن ينام بسهولة أكبر إذا أقنع نفسه: «لقد تخلصت من عدو كافر مرتد»، والأكثر خطورة أن يقنع نفسه بأنه لم يرتكب جريمة أصلاً، وإنما أدى رسالة أخلاقية أو دينية، ولهذا لا يكفى تفسير الإرهاب بأنه كراهية، المسألة أكثر تعقيداً، التنظيم المتطرف يبنى لأعضائه قاموساً جديداً، نحن وهم، مؤمن وكافر، طاهر ونجس، شهيد وعدو..الخ، وبعد فترة لا يعود عضو التنظيم يرى بشراً، وإنما يرى تصنيفات.

عندما تسمع شخصاً يختلف مع مجموعة بشرية ثم يتوقف عن تسميتهم بشراً، انتبه، عندما يصبح المختلف «حشرة» أو «خنزيراً»، أو كافراً مهرطقاً، فالمشكلة لم تعد مجرد قلة ذوق فى اختيار الألفاظ، لقد بدأ تغيير القاموس الأخلاقى، والتاريخ يخبرنا بأن السكين يصبح أخف فى اليد عندما تنجح الكلمة أولاً فى محو ملامح وهوية الضحية. فى حقيبة عطا كانت هناك سكاكين وتعليمات، لكن أخطر ما كان فى الحقيبة لم يكن السكين، كان الاسم الجديد للإنسان الذى ستذبحه السكين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كيف يقتلون بضمير مستريح كيف يقتلون بضمير مستريح



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt