توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإعجاز العلمي وقناص تكساس

  مصر اليوم -

الإعجاز العلمي وقناص تكساس

بقلم: خالد منتصر

كان هناك رجل فى تكساس، يخرج ببندقيته ويطلق عشرات الرصاصات عشوائيًا على جدار حظيرة، وبعد أن ينتهى، يقترب من الجدار، ويبحث عن المنطقة التى تجمعت فيها أكبر كمية من الطلقات، ثم يرسم حولها دائرة حمراء ويضع نقطة فى المنتصف، ويقف أمام الناس مزهوًا فاردا عضلاته، ويقول: انظروا إلى مهارتى، أنا قنّاص لا يخطئ الهدف!، هذه هى ببساطة مغالطة قنّاص تكساس، أنت لا تحدد الهدف أولًا ثم تطلق عليه، وإنما تطلق أولًا، وبعد ظهور النتائج تنتقى ما يناسبك وترسم حوله الهدف.

إنها مغالطة تقوم على اختيار البيانات التى تؤيد الفكرة، وتجاهل بقية البيانات التى لا تناسبها، ثم تقديم هذا الاختيار وكأنه اكتشاف مذهل، ومن أكثر المجالات التى ظهرت فيها هذه المغالطة بوضوح خطاب بعض مروجى ما يسمى «الإعجاز العلمى» فى النصوص الدينية، والمشكلة هنا ليست فى الدين ولا فى حق المؤمن فى التأمل فى النص، وإنما فى تحويل التأمل إلى ادعاء علمى، ثم استخدام العلم بطريقة انتقائية لإثبات نتيجة محددة سلفًا، الطريقة تكررت مع مصطفى محمود وزغلول النجار وغيرهم: يظهر اكتشاف علمى حديث، وبعده يبدأ البحث فى النصوص عن كلمة أو عبارة يمكن، بعد قدر من التأويل والتعسف ولوى الحقائق، ربطها بهذا الاكتشاف، أى أن السهم أُطلق أولًا بواسطة العلماء، ثم رُسم الهدف حول آية أو عبارة بعد ذلك، خذ مثلًا الحديث عن تمدد الكون.

عندما استقر فى علم الكونيات أن الكون يتمدد، أعاد بعض مروجى الإعجاز قراءة تعبيرات دينية قديمة باعتبارها وصفًا دقيقًا لهذا التمدد، لكن السؤال العلمى الحقيقى ليس: هل أستطيع اليوم أن أمنح عبارة قديمة معنى يتفق مع معرفتى الحديثة؟، بل: هل كان يمكن، قبل اكتشاف تمدد الكون، أن نستخرج من العبارة نفسها تنبؤًا واضحًا ومحددًا بأن الكون يتمدد؟، وينطبق الأمر نفسه على محاولات ربط النصوص بمراحل تكوين الجنين، أو الجبال والجيولوجيا، أو الثقوب السوداء، أو نشأة الكون....الخ، كثيرًا ما نبدأ بالمعلومة العلمية الجاهزة، ثم نفتش بين الكلمات عن أقرب تشابه ممكن، وإذا وجدنا تشابهًا أعلناه إعجازًا، أما مئات العبارات التى لا نستطيع ربطها باكتشاف علمى فنتركها خارج الصورة، هنا بالضبط يعمل قناص تكساس، والاختبار بسيط جدًا: أعطنى من النص تنبؤًا علميًا جديدًا قبل أن يكتشفه العلماء.

بصياغة محددة لا تحتمل عشرات التأويلات، ثم دع المختبر أو التلسكوب يختبره، عندها يصبح الحديث مختلفًا تمامًا، فالعلم لا ينتظر النتيجة ثم يعيد تفسير الفرضية كى تناسبها؛ العلم يضع الفرضية أولًا ثم يخاطر بإمكانية تكذيبها، الأخطر أن هذا النوع من الخطاب قد يسىء إلى الدين بدلًا من أن يدافع عنه، لأن النظريات العلمية تتطور، والتفسيرات تتغير، وما نربطه اليوم بالنص بحماس قد يتغير فهمه غدًا، فنكون قد ربطنا المقدس بما هو بطبيعته قابل للمراجعة.

الإيمان لا يحتاج إلى شهادة اعتماد من معمل فيزياء، والنص الدينى ليس كتاب جيولوجيا أو أجنة أو فلك، قيمته عند المؤمن أعمق من ذلك، أما العلم فله ملعب آخر، سؤال، وفرضية، وتجربة، ودليل قابل للاختبار، المشكلة إذن ليست فى أن ترى الجمال فى توافق ما بين العلم وإيمانك، فهذا حقك، بل فى أن تطلق الرصاص أولًا، ثم ترسم الدائرة حول الثقوب المتقاربة، وبعدها تطلب منا أن نصفق لمهارة القناص.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإعجاز العلمي وقناص تكساس الإعجاز العلمي وقناص تكساس



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt