بقلم:خالد منتصر
رحل الصديق الجميل الفنان هانى شنودة، وترك فى أنا شخصياً وفى جيلى جرحاً لن يندمل، فنحن الجيل الذى فتح عينيه وتشرب وجدانه فن فرقة المصريين، بحبك لا والشوارع حواديت وما تحسبوش يابنات.. إلخ، كنا فى بداية كلية الطب وقتها، عائدين من رحلة الأقصر وأسوان، وشغلنا الشريط الجديد فى القطار، فهون علينا المسافة الطويلة، والبطء المزمن، عدنا ونحن مصممون على دعوة هانى شنودة للغناء فى الكلية من خلال أسرتنا المتواضعة فى زمن عمادة د. هاشم فؤاد، ودعوناه وقامت القيامة ووزعت الجماعة الإسلامية التى كانت فى عز قوتها وأوج سيطرتها، منشوراً ملتهباً تحذر فيه من هانى شنودة الذى سيثير الفتنة، تدور الأيام، ونصبح أصدقاء، وأهديه روايتى «زمن سعاد»، وأطلعته على الفصل الذى وصفت فيه غزوة هانى شنودة، وأعجبته تلك الفقرة على لسان سلمى إحدى بطلات الرواية والتى كانت على علاقة حب مع أيمن البهائى:
«ارتعدتُ وأنا أقرأ المنشور، كانت ألسنة اللهب تتصاعد من كلماته، وكأننى أسمع فحيح الثعبان الأقرع الذى كان مدرس الدين يحكى لنا عنه فى المدرسة، إذا كان تأثير مثل تلك الورقة عليَّ بهذا الشكل، وأنا من ضمن منظمى الحفل، فما الذى ستفعله بالطلبة الآخرين، أيمن كان هادئًا ومسيطرًا على أعصابه، كان يسمع المنشور وهو مطرق إلى الأرض، ممسك بفرع شجرة يكتب بها على الأرض: «المصريين» بحروف مرتبكة.
- لازم نفكر بهدوء وعقل، من الواضح إن فيه طلبة من الجماعة جاءوا من كليات مختلفة، ومحافظات مختلفة، وعندهم إصرار على إفساد الحفلة.
- دا أكيد، المنشور لغته كلها تهديد وغِل، والتصرف لازم يبقى حكيم، الأمن مش معانا، لازم نقنعهم بالأدب.
- هما دول ينفع معاهم عقل أو إقناع أو أدب، دول حافظين مش فاهمين.
- ندخل القاعة نشوف إيه الأول، وبعدين نتصرف.
اتجهنا إلى القاعة، وجدنا زحامًا شديدًا، فى جوانب القاعة توزَّعت طلبة يتميزون جميعًا بضخامة الجثة! وفى المنتصف وقفت صفوف المصلين، تركع وتسجد، من كثرة الركعات نسينا العدد، سألنى أيمن:
- هو فيه صلاة تراويح دلوقتى؟! مش شهر رمضان خلص ولا أنا بيتهيألى.
كتمت الضحكة، وتلفَّت حولى خوفًا من أن يكون قد سمعنا طالب من الجماعة، فجأة وجدت أيمن يصعد إلى خشبة المسرح، ويمسك بالميكروفون، ويبدأ فى الحديث:
- زملائى وأحبائى، النشاط اللى بتعمله أسرتنا النهارده، نشاط كله بهجة وفرح، ما فيهوش أى نوع من الموبقات أو التجاوز أو الرذيلة، إحنا بنخاف على زميلاتنا زى إخواتنا بالظبط، وكلنا عارفين ربنا..
عند تلك الكلمة صرخ صوت من آخر القاعة:
- هو أنت تعرف ربنا يا كافر، ما عادش إلا أنت اللى تكلمنا عن ربنا يا زنديق.
وكأنها إشارة الهجوم؛ لكمات وركلات، حتى من الزميل الذى كان يشرب معك العصير أمس فى الكافيتريا، وتعطيه كشكول المحاضرات لينقل منه ما فاته من دروس، يضربك بكل غِل وعنف وقسوة، صعدوا إلى المسرح، حطموا كل الآلات الموسيقية، وكأنهم فى غزوة، كان أكثرهم حماسًا من اتهم أيمن بالكفر والزندقة، عندما استدار منتهيًا من مهمته المقدسة وواجهنى، رأيتُه، حدّقتُ فيه، لم أصدق، كتمت صرختى:
- معقول... طارق!.»
انتهى هذا الفصل من الرواية ولكن طارق شقيق سلمى التوأم فى الرواية سلك طريقاً اكتوينا فيه وبه سنين طويلة، وكانت بذرة مشتل الصبار لهذا التيار الذى سمم آبار الروح فى كافة أرجاء المحروسة.