توقيت القاهرة المحلي 23:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الثقافات والمثقفون والثورة العلمية

  مصر اليوم -

الثقافات والمثقفون والثورة العلمية

بقلم - رضوان السيد

أصل الفكرة مقالتان كتبهما العالم البريطاني تشارلس بيرسي سنو عام 1959 بعنوان: «الثقافتان والثورة العلمية». والمعروف أنه منذ أواسط القرن التاسع عشر ثار نقاشٌ بين البريطانيين والألمان حول مفهوم العلم.

وجون ستيوارت ميل كان يرى أنّ العلم الحقيقي هو العلم البحت والتجريبي، وأنّ المجالات المعرفية الأخرى لا تكتسب هذا الاسم إلاّ بقدر ما تقترب في طرائقها وبحوثها من النزعة التجريبية. ولأنّ الألمان كانوا شديدي الاعتزاز بمجالي التاريخ والفلسفة اللذين يعتبرونهما من علوم الإنسان، فقد شاع هذا الخلاف المنهجي بين علوم الإنسان وعلوم المادة والطبيعة.

ثم حدث تقاربٌ منهجيٌّ من خلال بحوث وتجارب مدرسة فيينا في العلوم النفسية الاختبارية والتحليل النفسي، والوضعانية الفرنسية في علوم الاجتماع لدى أوغست كونت وأميل دوركايم، والاقتصاد السياسي والإحصاء لدى آدم سميث والجغرافيا الطبيعية لدى ألكسندر فون هومبولت. فمن جهة نمت وتعددت مجالات العلوم الإنسانية، ومن جهةٍ أخرى تقدمت النزعة الاختبارية فيها، دون أن يعني ذلك إلغاء المسافات بين الاختصاصات التي تعتمد التجربة والأخرى التي تظل شديدة الاعتزاز بعوالم الإنسان وتعقُّل الذات والوجود والعالم.

تشارلز بيرسي سنو أتى بعد مائة عامٍ على اندلاع هذا النقاش وتطوراته في المجال العلمي والآخر الثقافي. وهو بحكم أنجلوسكسونيته واختصاصه العلمي الأول لجهة دراسته في الفيزياء ظلّ تجريبياً إلى حدٍ ما، لكنه صار تحت وطأة الثورات العلمية في كل المجالات يميل مثل كثيرين إلى وحدة مصادر الإبداع سواء في العلوم الاختبارية والبحتة، أو في المجالات الأدبية والفنية. لكنْ روَّعه أنّ السوق الثقافية العامة حتى في بريطانيا والولايات المتحدة، تطلق لقب المثقف على الفنانين والرسامين والمؤرخين وكتاّب المقالات في قضايا الشأن العام، في حين لا تعتبر علماء الرياضيات والفيزياء والكيمياء مثقفين. لقد حسب في البداية أنّ ذلك يعود إلى البدعة الفرنسية التي تتحدث عن المثقف الأنتلجنسي الذي يملك تصورات نقدية لقضايا الشأن العام.

يرى سنو أن الثورات العلمية سواء في علوم المادة أو علوم الإنسان ووسائل الاتصال أزالت الفروقات. وذلك لأنّ مصدر الإبداع واحد، وما عاد للتجربة المعنى نفسه. وبالطبع أيام سنو ما كان زمان الحقائق الاعتبارية والذكاء الاصطناعي والديجيتال قد حلَّ بعد وبلغ المبلغ الذي هو عليه اليوم، وذلك يؤيد وجهة نظره بلا شك في عدم التفرقة، فقد توفي سنو عام 1980.

وبهذا الصدد يتلفت سنو إلى كبار العلماء مثل أينشتاين وهوكنغ وغيرهما، ويتساءل عن تأثير هؤلاء في إنجازاتهم العلمية بالذات على صورة العالم ومصائره. وهكذا فنحن نسمي أرنولد توينبي أو أريك هوبسباوم وهما مؤرخان كبيران، نسميهما مفكرين ومثقفين لأنهما يملكان تصوراً للعالم والتاريخ، وكذلك الروائي جورج أورويل صاحب «حديقة الحيوانات» والعالم 1984، ولا نعتبر علماء الرياضيات والفيزياء مثقفين مع أنّ إبداعاتهم غيّرت العالم وصورة الكون، وغيّرت السياسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

يذهب سنو إذن إلى أنّ الثقافتين المتفارقتين العلمية والأدبية تعكسان صورةٌ وهميةٌ لزمانٍ مضى وانقضى. فالثورات العلمية أوصلت إلى وحدة العلوم، وما من تصورٍ جديدٍ حتى في اللغة إلاّ ويمتح من أصولٍ في العلوم البحتة والتطبيقية. الشغف الإنساني العميق هو دافع الإنجازات الكبرى سواء في المجالات النظرية والأدبية، كما في المجالات البحتة والتطبيقية. فالإنسان واحدٌ والإنجازات إنجازاته النابعة من ذاك الشغف في مجالات المعرفة والإبداع أياً كانت مآلاتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثقافات والمثقفون والثورة العلمية الثقافات والمثقفون والثورة العلمية



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt