توقيت القاهرة المحلي 03:30:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فاجعة الكرك وسؤال المناعة في الدين

  مصر اليوم -

فاجعة الكرك وسؤال المناعة في الدين

بقلم : رضوان السيد

تحفل ذاكرة مدينة الكرك بالوقائع مع التطرف والإرهاب. فالطيار الكساسبة الذي أحرقه تنظيم «داعش» منها. والعصابة التي اعتصمت بقلعة الكرك عام 2016 وقتلت خمسة عشر من رجال الأمن هي من المحافظة أيضاً.

لقد نشب أخيراً جدالٌ بين السلطات في سوريا والأردن، ربما استناداً إلى شكوك أردنية في تأثيرات داعشية آتية من سوريا على خلية قرية «الجديدة» بالكرك. بيد أن التأثيرات وإن كانت ممكنة لا ينبغي أن تصرف انتباهنا عن أن التطرف العنيف صار ظاهرةً في عددٍ كبيرٍ من مجتمعاتنا منذ عقود عدة، وما عاد يمكن التعزّي في الواقعات المؤسفة بأي بلدٍ من بلداننا أنها مستوردةٌ من بلدٍ آخر أو أنها مؤامرةٌ مدبَّرة من جهاتٍ أجنبيةٍ على البلاد والعباد!

إنّ أصل الداء في خلية الكرك آتٍ أساساً من أفكارٍ مزروعةٍ صارت اعتقادات تتجذر معها كراهية الآخر المختلف ديناً أو جنسيةً أو ثقافةً وتوجهات. وهي «ثقافة» جديدةٌ نسبياً فعمرها عقود عدة ناجمة في الأصل من الخوف على الهوية من الغريب الغربي. وقد مرت بمراحل عدة: مرحلة الدعوة للإصلاح، ومرحلة السعي للتقدم لتجاوز الانحطاط بالمعنى الغربي، فمرحلة التحزب لحفظ الهوية أو استعادتها، ومرحلة الهوية الثائرة لتخريب العالم! ونحن في السنوات الأخيرة في مرحلة الانكماش والانعزال واليأس الذي يخالطه العنف.

لا حاجة إلى تفصيل أفكار وآليات تلك المراحل. بيد أنه في مرحلة الثوران واجهت التنظيمات العنيفة كما هو معروف حملةً عالمية شاركت فيها الدول العربية فضربت تلك التنظيمات ضربات هائلة شرذمت صفوفها وكسرت دعواها الإرهابية باسم الدين. ولذلك؛ كان لا بد للمتشددين أن يغيروا أساليبهم في العمل من دون أن يتغيروا(!). فالمعلِّمون والمرشدون مستمرون، وما عاد الاستنفار التنظيمي ممكناً دائماً؛ ولذلك اللجوء إلى الاستتار أفراداً وجماعات صغيرة. لكنّ مرحلة الاستتار (المتوترة والثأرية) ما أدّت إلى الاختلاف في الأسلوب فقط، بل في الاستهداف أيضاً. وأنواع الاستهداف تصل خلال العقود الماضية إلى أربعة: الاستهداف العالمي، وهو لم يعد ممكناً بسبب الضربات وإجراءات الاحتراز- والنوع الثاني الهروب والانتقال، وهو الذي يحدث بالذهاب والتسلق على تنظيماتٍ أخرى في غرب أفريقيا وفي غيرها- والنوع الثالث توسيع التحالف مع الحوثيين باليمن وبشرق أفريقيا مع «حركة الشباب» الصومالية – والنوع الرابع هو الخلايا المنعزلة والتي تتصرف من دون أوامر مباشرة وتجاه أهداف قريبة مثل السلطات ومثل المسيحيين.

ومع تغير صنوف الاستهداف تغير بالطبع المستهدَفون. وعلى سبيل التذكير، فإن أسامة بن لادن أعلن عام 1998 عن تحالف لمواجهة النصارى واليهود. لكنه في مصطلحه التراثي كان يقصد الأجواء العالمية، والتي واجهها فيما بعد في أميركا وأوروبا وفي إحدى الهجمات الكبرى على سفارة بأفريقيا. لقد تضاءلت الآفاق وتراجعت وصارت حسب القدرات وليس حسب الأهداف الاستراتيجية. وهي عندما تراجعت عادت لأصلها القريب: أجهزة السلطة، والمختلفين في المجتمعات.

التطرف مرضٌ عياء ناجمٌ عن التعرض طويلاً لتعليم وتلقين التشدد وتصورات أعداء الدين في القريب والبعيد.

ويريد بعض الذين ينشطون على وسائل التواصل ربط حَدَث الكرك بالحروب على غزة وفلسطين بحجة السخط والاستنزاف. ولا شيء أبعد عن الحقيقة من هذه الخواطر. فلا «القاعدة» و«داعش» ولا المتشددون الآخرون لهم علاقة بفلسطين أو أنهم قاموا أو حاولوا القيام بعملية من عملياتهم الانتحارية في الأراضي المحتلة منذ بدايات إرهابهم في الدواخل في سبعينات القرن الماضي!

لا ينبغي أن نظلَّ على الاعتقاد أنها ظاهرةٌ عابرةٌ وتنتهي. إنها مرضٌ داخَلَ الإسلام من خلال التعليم المتشدد في بيئاتٍ وبيئات. وهو تلقينٌ لا يزال مستمراً ولا بد من الاستمرار في مكافحته. ويمكن القول إنه نوعٌ من الضعف في المناعة، ما كان معروفاً ولا معهوداً لا في نصوصنا ولا في عيشنا التاريخي أو الحديث. وضعف المناعة يعني قابلية الاستخدام والاستعمال والاستغلال للدين؛ وكلُّ ذلك ظاهرٌ في مجتمعاتنا بأشكالٍ مختلفة ويجد له أنصاراً وإن كان الأغلب الميل إلى الانعزال والانكماش في الحياة الأُسرية وعليها وممارسة العنف ضدّ الآخر القريب أو السلطات. هي النفسيات المريضة المنتقمة ممن تعتقدهم خارجين على الدين وإن كانوا إخوانهم أو أزواجهم أو أولادهم!

قبل ذلك وبعده، ماذا نقول بالفعل لمواطنينا المسيحيين الذين نزل بهم هذا الجرح الغائر، وماذا نقول لشباننا الذين يعيّروننا بكلام ترمب عن المهاجرين المخربين، وبكلام رامسفيلد قبل رُبع قرن عن اختطاف الإسلام من المتطرفين، وإرادة الأميركيين الطيبين مساعدتنا نحن «المعتدلين» على استعادة الإسلام!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فاجعة الكرك وسؤال المناعة في الدين فاجعة الكرك وسؤال المناعة في الدين



GMT 05:53 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا رفض سارتر «نوبل»؟

GMT 05:47 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

جاءت الأعاجم

GMT 05:44 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

كيليان مبابي والأدب الصيني

GMT 05:41 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الكتابة على صفحة العقل بحروف صامتة

GMT 05:32 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الأجدى لإيران أن تكون دولة طبيعية مسالمة لجيرانها

GMT 05:26 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

عن حتمية الحرب وسجالات السلام

GMT 05:22 2026 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

العنصرية العالمية و«القومية الإقصائية»

GMT 11:15 2026 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

صدقوني آتية...

أبرز إطلالات النجمات بالبدلات النسائية كبديل راقٍ لفساتين السهرة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 23:05 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 06:04 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

ابتزاز أمريكى للرياض

GMT 00:56 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

إيهاب جلال يؤكد أن "المصري" لا يلعب لصالح أحد

GMT 03:01 2020 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب الدنمارك يعبر إنجلترا بهدف في دوري الأمم الأوروبية

GMT 09:49 2019 الإثنين ,08 تموز / يوليو

أول صورة لريهام سعيد بعد أزمة مرضها

GMT 23:35 2019 الخميس ,21 آذار/ مارس

تعرفي على فوائد الخل لصحة وجمال شعرك

GMT 14:38 2020 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

فاردي يقود هجوم ليستر لمواجهة وست هام في البريميرليج

GMT 18:39 2019 الجمعة ,30 آب / أغسطس

نيسان تصنع منتجات أخرى غير السيارات

GMT 05:26 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أهم معالم الغردقة التي تجذب السياح إليها

GMT 07:59 2018 الجمعة ,07 أيلول / سبتمبر

أفكار مميزة ومختلفة لتصميم شرفة منزل جذابة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt