توقيت القاهرة المحلي 23:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التنوير في أوروبا والمشرق

  مصر اليوم -

التنوير في أوروبا والمشرق

بقلم - رضوان السيد

كنت قبل أيام أقرأ بالمصادفة رسالة إيمانويل كانط «ما التنوير». وأبرز ما فيها التركيز على حرية العقل الإنساني باعتباره المرجع الأول والأخير وإسقاط كل سلطة من خارجه سواء أكانت دينية أم سواها، بما يمكن التعبير عنه بزوال سحر العالم أو انكساره. وبعد كانط صار التأليف في التنوير ومعانيه وماهياته وشروطه تقليداً لدى الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين. وبالطبع شاع الانقسام حوله عندما تعاظمت الفلسفة الماركسية، فصار التنوير تيارات. لكنّ الموقف السلبي من الموروث الديني على وجه الخصوص ظلّ واسع الانتشار، وانتقل إلى المشرق أيضاً.

يتبين ذلك من الاشتباك الذي جرى (1900-1902) بين مفتي مصر محمد عبده وفرح أنطون المتأثر بالتنوير الفرنسي الراديكالي، والذي يتصور حلاًّ للشرق يماثل الحلّ الغربي بالفصل بين الدين والدولة من أجل تطوير الدولة ومن أجل التقدم العلمي. محمد عبده حاول إقناعه بأن التجربة الإسلامية في مسألتي الدين والعلم والدين والدولة مختلفة تماماً عن التجربة الأوروبية، وبأنه لا ضرورة للفصل أو لعزل الدين واستجلاب عداء المتدينين. لكنّ فرح أنطون لم يقتنع.

وقد تجدد هذا النقاش في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ودخل فيه كل المفكرين العرب البارزين تقريباً. لكنّ المنطلقات اختلفت، فقد جرى استبدال مصطلح التنوير بمصطلح أو مفهوم التقدم، والدخول في حضارة العصر وعصر العالم. ولكي يكونَ ذلك ممكناً لا بد من القطيعة مع الموروث الديني (الإسلامي).

والفكرة مستعارة من الإبستمولوجيا الفرنسية الجديدة، لدى باشلار وفوكو، أو هكذا فهم الجميعُ الأمرَ. وما حملتُ «القطيعةَ» في البداية على محمل الجد وصرتُ أكتب أنهم ربما تأثروا بحملة ماوتسي تونغ على التقاليد الصينية القديمة! ثم ظهرت المشروعات الضخمة التي لم تترك مقالاً لقائل. وهكذا نشب صراع الأصوليات بين التنويريين العلمانيين والتراثيين القدامى والجدد.

سقطت مقولة القطيعة مع الموروث في مجالنا الثقافي منذ مدة. بيد أنّ المشهد تغيَّر في أوروبا أيضاً مع ظهور الفلاسفة الجدد الذين شككوا في المقولات الرئيسية للتنوير، ومنها الموقف السلبي من الدين.

بيد أنّ المسألة الدينية والثقافية تظل في مجالنا شديدةَ التعقيد. نعم، لا بد من كتابة التاريخ الديني والثقافي من جديد. ولدينا آلاف الوثائق والمخطوطات التي تُكتشف كل عام، إضافةً إلى مخطوطات التراث العلمي شديدة الغنى والدلالة. لقد صار إدراكاً فقيراً الذهاب إلى أن التاريخ الفكري هو تاريخ الصراع بين تياري العقل والنقل. فهناك عشرات التيارات الفكرية المختلفة والمتداخلة، وهو ما دفع المستشرقَ الألماني توماس باور لتأليف كتابه الذي صار شهيراً «ثقافة الالتباس»، وكتابه الآخر «لماذا لم تكن في الإسلام عصورٌ وسطى؟».

وهكذا ينبغي الخروج من دوغمائية أنصار القطيعة، ودوغمائية التراثيين الجدد، لصالح أفقٍ أوسع لقراءة الثقافة التاريخية والحضارة. وإذا شئنا فإنّ هذه الفكرة، أي فكرة التعددية في موروثنا الثقافي والديني، هي بعينها التنوير، بدلاً من الانقفال على مفهوم المركزية الأوروبية للعقلانية والتنوير.

إنّ هذا الكلام عن المداخل المختلفة لكتابة تاريخ ثقافي تواصلي ليس جديداً.. لكنّ الجديدَ هو المضيُّ إلى التعددية والاختلاف والتأويليات في فهم التجربة الحضارية الكبرى على نهج مارشال هودجسون في كتابه العظيم «تجربة الإسلام.. الوعي والتاريخ في حضارةٍ عالمية».

وعندما نصل إلى الزمن الحديث بهذه الخلفية فلا داعي للخجل أو الكبرياء، ولكننا ثقافة تاريخية مثل سائر الثقافات الكبرى، والتي ماتت وحيت، وتراثنا يموت ويحيا ويتجدد. ولنتأمل مقولة أريك هوبسباوم: اختراع التقاليد!

*أستاذ الدراسات الإسلامية -جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التنوير في أوروبا والمشرق التنوير في أوروبا والمشرق



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt