توقيت القاهرة المحلي 16:30:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إيران ولعنة الدولار

  مصر اليوم -

إيران ولعنة الدولار

بقلم - أمير طاهري

هل تتجه إيران صوب التضخم الجامح؟

حتى قبل بضعة أشهر، كان صناع القرار في طهران ليصفوا هذه المسألة بوصفها «مؤامرة صهيونية» أخرى ضد النظام في إيران. ولكن الآن، وبينما يتجه منحنى التضخم السنوي نحو عتبة المائة، فإن حتى «المرشد الأعلى» آية الله علي خامنئي مضطر إلى الإعراب عن القلق والمطالبة بأن «يفعل شخص ما شيئاً حيال ذلك». والسؤال هنا: مَن ذلك الشخص الذي يُفترض أن يتصرف؟ وما الشيء الذي يتعين فعله؟

حاول «المرشد الأعلى» بالفعل الإجابة عن هذا السؤال بقوله: «إذا ما نجحنا في إنتاج المزيد من السلع والخدمات، فإن ذلك من شأنه أن يوقف ارتفاع الأسعار». بعبارة أخرى، فإنه يعتقد أن الدوامة التضخمية الحالية لها أسباب اقتصادية بحتة. هذا منطقي إلى حد ما. فقد ارتفع دخل النفط الإيراني بأكثر من 60 في المائة منذ 2018، بفضل قرار الرئيس الأميركي جو بايدن، تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، ويرجع ذلك جزئياً إلى شراء الصين المزيد من النفط الإيراني الرخيص الذي يُعرض بتخفيضات غير مسبوقة.

مع ذلك، فإن الملالي الآخرين يختلفون، وإن كان بحذر بالغ للغاية، مع «المرشد الأعلى» بشأن هذه المسألة.

يُلقي آية الله محمد تقي المدرسي، العلّامة الكبير من مدينة قُم المقدسة، باللائمة على «السلوك الآثم» لبعض الإيرانيين، مما يعني النساء اللاتي تخلين عن «الحجاب» الإلزامي، في ارتفاع الأسعار إلى عنان السماء. تُولي المدرسة الدينية (الحوزة) في قُم اهتماماً كبيراً إلى «القصور الروحاني المتزايد» بوصفه السبب الجذري للمشكلات الاقتصادية في إيران، وتعرض تقديم «العلاجات الشرعية» المستندة إلى تعاليم «الإمام» روح الله الخميني، الأب المؤسس للجمهورية الإسلامية.

دعونا نتجاهل عرض «العلاجات الشرعية» الذي قدمته «الحوزة الدينية» لإنقاذ الاقتصاد الإيراني المتهالك. لكن حتى ذلك الحين، قد لا يطرح التشخيص الاقتصادي كل الإجابات التي نحتاج إليها. قد تكون الأزمة التضخمية في إيران اليوم ذات طابع سياسي أكثر منها اقتصادية.

بمعنى آخر، فإن ما رأيناه في إيران اليوم ليس مثل الأزمات التضخمية المفرطة التي ضربت جمهورية «فايمار»، أو في سياقات مختلفة، الكثير من دول أميركا اللاتينية بين الستينات والقرن الجديد. وفي جميع هذه الحالات تقريباً، لم يتمكن الاقتصاد المتضرر من توفير الحد الأدنى من متطلبات المجتمع من الغذاء والطاقة، في حين زادت الدولة الطلب عن طريق طباعة وتوزيع البنكنوت.

مع ذلك، لا تزال إيران مكتفية ذاتياً في إنتاج الغذاء، في حين أن لديها مصادر طاقة وفيرة خاصة بها. ورغم هذا، فإن أسعار كل من الغذاء والطاقة مستمرة في الارتفاع. لغز عجيب؟ ليس بالضرورة، إذا نظرنا عن كثب إلى ما يجري. تتجذر الحالة المؤسفة للاقتصاد الإيراني والتضخم الذي يزيد من عدد الإيرانيين الفقراء بمتوسط 10 في المائة سنوياً، في استراتيجية سياسية تضع مصالح الآيديولوجية المهيمنة قبل مصالح إيران كدولة عادية.

وكما أكد «المرشد الأعلى» مراراً وتكراراً فإن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسيين: طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، أو «غرب آسيا»، المصطلح الذي استعاره خامنئي من المعجم السياسي الروسي، ومحو إسرائيل من على خريطة العالم. وفي سعيها لتحقيق هذه الأهداف، تضطر طهران إلى الحفاظ على بدائل مكلفة على نحو متزايد (الوكلاء) في العراق، واليمن، ولبنان، وسوريا، وغزة، ومؤخراً في عدد من البلدان الأفريقية الموالية لروسيا. المشكلة أن هؤلاء الوكلاء لا يريدون (الريال) الوطني الإيراني، وإنما يريدون الدولارات السريعة. وعليه، فإن إيران تحتاج إلى تدفق ثابت من الدولارات الأميركية، أو تحديداً العملة التي تزعم إيران سعيها إلى خلعها عن سيادة عرش الأموال العالمي!

لكن من أين يمكن للمرء الحصول على هذه العملات الخضراء؟

الصين والهند، وهما أكبر دولتين في النفط الرخيص من إيران، لا تسددان بالدولار وإنما باليوان والروبية. وبالتالي، فإن أرباح إيران في نهاية المطاف تنخفض أكثر عند مبادلة تلك اليوانات والروبيات مقابل الدولار الأميركي في الأسواق السوداء أو غيرها.

ما يزيد الأمور تعقيداً أن الحكومة الإيرانية ليست وحدها المتعطشة إلى الدولار. فالملايين من الإيرانيين، بما في ذلك هؤلاء الذين لا يملكون سوى مدخرات صغيرة، يُبادلون على الفور أي قدر من الريالات الإيرانية يتحصلون عليها بالدولار. ووفقاً لدراسة أجراها «البنك المركزي الإيراني» عام 2019، كانت هناك أسواق غير رسمية، وإن لم تكن بالضرورة غير قانونية، لصرافة الأموال في أكثر من 300 بلدة ومدينة إيرانية. وفي إحدى المدن في محافظة جهارمحال، تحولت السوق القديمة لبيع الأغنام والماعز التي تجلبها القبائل المحلية إلى مركز لصرافة العملات الأجنبية يضم عشرات التجار.

هناك طريقة أخرى للقطاع الخاص للحصول على الدولارات، عبر تصدير السلع من جميع الأنواع، لا سيما السلع الغذائية، إلى البلدان المجاورة، حيث يتصدر العراق القائمة. العراقيون يحبون ذلك لأن الأسعار بالريال الإيراني الذي يزداد رخصاً. كما أن المُصدّرين الإيرانيين يحبون ذلك لأنهم يحصلون على الدولارات الأميركية من العراقيين. فالدولارات لا تصل إلى إيران أبداً، وينتهي بها الأمر إلى حسابات مصرفية خاصة في عشرات البلدان في المنطقة، والاتحاد الأوروبي، و«الملاذات المالية الآمنة».

تُسهم هذه الصادرات في زيادة نقص الإمدادات الداخلية مما يرفع أسعار السلع الأساسية على الإيرانيين. كان فندق خمس نجوم في مدينة مشهد المقدّسة يحاول جذب السياح العراقيين بدعوى أن النزيل العادي يمكن أن يعيش هناك في ترف لمدة شهر كامل مع نفس المبلغ من المال الذي سينفقه في بغداد في أسبوع واحد.

هناك وسيلة أخرى لتأمين الدولارات تتلخص في بيع العقارات، بما في ذلك أصول الدولة، للمستثمرين الأجانب الذين يسددون بالدولار. العراقيون يشترون العقارات بأسعار تفوق الخيال. وفي الأسبوع الماضي، انضمت حركة «طالبان»، التي يبدو أن لديها إمدادات «لا نهائية» من الدولارات الأميركية، إلى المأدبة باستثمار 50 مليون دولار في منتجع سياحي مطل على بحر قزوين. ويلجأ الكثير من الإيرانيين إلى استراتيجية مماثلة عبر استخدام أموالهم لابتياع العقارات في كل من تركيا، وأرمينيا، وجورجيا، وقبرص، وصربيا.

لا تُنفق إيران دولاراتها بنفس القدر من الحكمة التي ينفقها بها المواطنون العاديون. وينتهي الأمر بأموالها إلى خزائن «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«الحشد الشعبي»، و«عصائب أهل الحق»، والجماعات الشيعية المسلحة في أفغانستان، وباكستان، وغرب أفريقيا. كما تُستخدم الدولارات التي يكسبها «المرشد الأعلى» بصعوبة بالغة في إرسال ما تبقى إلى جيش «بشار الأسد»، وحزبه، وحكومته.

اربطوا أحزمتكم أيها السادة لمشاهدة أول عرض عجيب من هوس التضخم المفرط الناتج عن الاختلال الآيديولوجي!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران ولعنة الدولار إيران ولعنة الدولار



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt