توقيت القاهرة المحلي 19:39:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوكرانيا: العواقب غير المتعمدة

  مصر اليوم -

أوكرانيا العواقب غير المتعمدة

بقلم - أمير طاهري

ماذا تفعل عندما تجد نفسك عالقاً في حرب لا تستطيع الانتصار فيها ولا حتى الخسارة؟ هذا هو السؤال الذي يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع دخول «عملياته الخاصة» عامها الثاني. الجواب: أن تقوم بحيلة خداع بصري لإخفاء حقيقة أنك عالق ولا تستطيع التحرك في أي اتجاه بسرعة.
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عزف بوتين وآلته الدعائية على وتر النصر بفضل «الجنرال شتاء»، الذي كان من المفترض أن ينتصر بمخالبه المجمدة. وعندما لم يحدث ذلك، اشتروا بعض العناوين الإيجابية بإقالة قائدهم في أوكرانيا وإلقاء قائدهم العسكري الأعلى، الجنرال غراسيموف، داخل عرين الأسد. ومع ذلك، بات من الواضح الآن أن غراسيموف، البيروقراطي الذي يرتدي الزي العسكري، ويحمل على صدره العديد من الميداليات، ليس بصانع معجزات.
هذا هو السبب في أننا نسمع الآن نغمة جديدة من الكرملين تقول إن هجوم الربيع من المفترض أن يقدم لروسيا نصراً كاملاً على طبق من فضة. إن الفكرة الخيالية التي ترى أن الربيع، مثلما يحيي الطبيعة، قادر على إهداء النصر للجانب الذي يفضله؛ قديمة قدم تاريخ الحرب ذاتها.
في الحرب التي دارت رحاها في القرن الرابع عشر بين إنجلترا وفرنسا، اعتقد الملك الإنجليزي إدوارد الثالث أن هجوم الربيع سينهي الملحمة الدموية. فقد هزم الفرنسيين في «بواتييه» وأسر ملكهم، لكن الحرب الطويلة أبت أن تضع أوزارها.
في الحرب الأهلية الأميركية، توغل سلاح الفرسان التابع للجنرال شيريدان في عمق «أراضي العدو» كجزء من هجوم الربيع للجنرال يوليسيس غرانت. ومنذ ذلك الحين، أصبح «القيام بعملية شيريدان» مثلاً عسكرياً، لكن الحرب بين الأشقاء لم تنته عند هذا الحد.
عام 1918، ظهرت نسخة ألمانية من هجوم الربيع الذي تحول إلى آلة للموت، لكن على نطاق وطني.
المأساة في أوكرانيا - سمّها عملية خاصة إن أردت أن تسعد بوتين - تطورت إلى حرب موضعية صغيرة تتسم بالتقدم لمسافات صغيرة تدريجياً والتراجع، على نحو أقرب للحرب العالمية الأولى منه لحروب القرن الحادي والعشرين.
في الواقع، ظلت جبهة الحرب التي تأسست عام 2014، مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وإقامة جيب انفصالي في «دونباس»، من دون تغيير إلى حد كبير. ومن غير المرجح أن يغير هجوم الربيع، الذي تدق الدعاية الروسية طبوله، هذا الوضع.
قد يكون من المثير للاهتمام دراسة العواقب غير المتعمدة لهذه الملحمة المأساوية. إحدى هذه النتائج هي إعادة الحرب إلى طاولة الحوار الدولي كواقع مكاني وزماني. إن فكرة أن الحرب يمكن بطريقة ما انتزاعها من فصول قصة البشرية، على غرار ما حدث مع العبودية، أصبحت حقيقتها واضحة: مجرد فكرة خيالية خطيرة. وقد أدى ذلك إلى تأملات في مذاهب عسكرية من الماضي ظن الكثيرون أو كانوا يأملون أنها اختفت.
منذ حوالي نصف قرن مضى، ألغت الولايات المتحدة التجنيد الإلزامي لصالح قوة كل قوامها من المتطوعين، وقد حذت غالبية الدول الديمقراطية الأخرى وبعض الدول النامية حذوها. ورغم ذلك، ظهر شكل من أشكال العودة إلى هذا النظام، وتجري مناقشته علناً في العديد من العواصم. والإنفاق الدفاعي الذي كان يُنظر له يوماً ما باعتباره رفاهية، بات اليوم أمراً حيوياً للأمن القومي وضمان الاستقلال.
قبل مأساة أوكرانيا، كان خفض الإنفاق العسكري أداة قياسية لخفض العجز في الميزانية. غير أنه في عام 2022، قامت أكثر من 40 دولة بزيادة ميزانياتها العسكرية، وشرعت في تنفيذ برامج ضخمة لتحديث ترساناتها العسكرية وتطوير أنظمة تسليح حديثة.
وبالتالي، قد تكون إحدى النتائج غير المتعمدة لمأساة أوكرانيا، اندلاع سباق تسلح جديد لا نعرف ما إذا كانت روسيا قادرة على الفوز به. وقد تجد الصين نفسها أمام خيار صعب بين الانضمام لسباق التسلح، وبالتالي تحجيم مصادر المفترض استغلالها لإخراج المزيد من شعبها من حالة الفقر، أو الخروج من السباق، وبالتالي تحجيم طموحها في تولي زمام قيادة العالم.
النتيجة الأخرى غير المتعمدة قد تكون خفض مستوى الدبلوماسية، بحيث لم تعد الأداة الرئيسية لحل النزاعات على المستوى العالمي. ومع تهميش الأمم المتحدة بالفعل، فإن قدرة الدبلوماسية الدولية على إنهاء، أو على الأقل، تخفيف حدة العديد من النزاعات الإقليمية الصغيرة أو الكبيرة، ستتراجع أكثر.
كما عززت المأساة الأوكرانية اتجاهاً بدأ في الأيام الأولى من القرن الجديد، يتمثل في التحرك تجاه خصخصة الحرب، وتكشف المعلومات المتاحة أنَّ الحروب الخاصة أصبحت مشروعاً عالمياً مربحاً يعمل فيه عشرات الآلاف من الأشخاص، ويؤثر على أكثر من عشر دول في أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط. في بعض المناطق، مثل المناطق الشرقية من الكونغو (كينشاسا)، أصبحت الحروب الخاصة عاملاً جوهرياً في التحكم في الوصول إلى الموارد المعدنية النادرة ذات الأهمية الاستراتيجية.
ثمة نتيجة أخرى غير متعمدة تتمثَّل في ظهور علامة استفهام كبيرة حول اندماج روسيا كلاعب كبير فيما وصفه ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلسين بـ«بيتنا الأوروبي الواحد». إن الجدل الروسي الكلاسيكي بين أنصار السلافية وأنصار الغرب، يعكس الواقع الروسي بتناقضاته المتأصلة. ها هو بوتين يقدم نسخة مصطنعة من السلافية (الدول السلافية اندمجت بالفعل في البيت الأوروبي الواحد)، مما لا يترك لروسيا أي خيار سوى النظر شرقاً إلى الصين، وقبول لعب دور ثانٍ لقوة ذات هياكل وطموحات غريبة عن الطموحات الروسية العادية.
وربما تكون النتيجة غير المتعمدة الأكثر أهمية لمأساة أوكرانيا، هي خروج ما يسمى عملية العولمة عن مسارها، فقبل عقدين من الزمان، كان الحديث منصباً على الميزة النسبية وإلغاء التوطين. إلا أن الناس اليوم يتحدثون عن إعادة التوطين، وإعادة بناء «صناعتنا الخاصة». وقد يدفع ذلك باتجاه العودة إلى العقلية الاقتصادية الحمائية التي يمكن أن تتسبب في كارثة للعديد من البلدان، أو تقدم تصحيحاً متأخراً للعولمة التي خرجت عن مسارها.
كان اجتياح أوكرانيا خطوة غير ضرورية، من وجهة نظر القائد العسكري الفرنسي تاليران، أسوأ من مجرد ارتكاب خطأ، لأنها أخرجت الأمور عن السيطرة، وبات من الصعب إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.
حسناً، الربيع ليس ببعيد وقد يشن بوتين هجومه. لكن يبقى السؤال: ثم ماذا بعد؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوكرانيا العواقب غير المتعمدة أوكرانيا العواقب غير المتعمدة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt