توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل ستُثمر محادثات الـ60 يوماً المرتقبة؟

  مصر اليوم -

هل ستُثمر محادثات الـ60 يوماً المرتقبة

بقلم : أمير طاهري

 

بحلول الوقت الذي تقرأون فيه هذا المقال، سيكون الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان قد وقعا إلكترونياً عن بُعد، وعبر مسافة تبلغ ستة آلاف كيلومتر، بالأحرف الأولى على مذكرة تفاهم لوقف الفصل الأحدث من حرب اندلعت شرارتها بين البلدين قبل 47 عاما.

وقد سارع ترمب بالفعل إلى تضخيم شأن مذكرة التفاهم، التي لم يُكشف عن نصها بعد، بادعائه أنها ستجلب السلام إلى المنطقة بأسرها.

كما تحدث أيضاً عن تأسيس «صندوق إعادة إعمار» بقيمة 300 مليار دولار لإحياء الاقتصاد الإيراني المتداعي، وهي عملية ستصب في نهاية المطاف في جيوب الملالي والعسكريين القابعين في سدة الحكم في طهران، والذين بات يُنظر إليهم بعين الرضا والثناء.

وخلال استقباله الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية، قال ترمب معلقاً على ما تبقى من القيادة في طهران: «إن القيادة الإيرانية الحالية تضم أشخاصاً عقلانيين للغاية. ومن السهل التعامل معهم؛ إنهم أقوياء وأذكياء، وليسوا متطرفين، ويتطلعون إلى مساعدة بلادهم». وكعادته في التوق الشديد لطبع شعار «ترمب» على كل ما يلمسه، أضاف قائلاً: «بموجب هذا، أنا آذن بفتح مضيق هرمز مجاناً ومن دون رسوم».

وقد تأثرت ردود الفعل العالمية تجاه هذه «الصفقة» بظاهرة «فوبيا ترمب» المرضية التي أصابت السياسيين والخبراء التواقين لرؤية غريمهم اللدود يتعرض للإهانة والانكسار. وباتت عبارات مثل «ترمب استسلم!» و«الملالي انتصروا!» من بين العبارات المبتذلة التي يتردد صداها في كل مكان. ومع ذلك، فإن نظرة أكثر فحصاً وعمقاً لما يجري قد تكشف عن صورة مغايرة تماماً.

وللبدء في تفكيك المشهد، ربما تكون «القيادة الإيرانية الحالية» عيناتُها هي من استسلمت ورضخت في واقع الأمر.

إن الادعاء بوجود قيادة جديدة في طهران هو أمر مضلل؛ لأن الرجال الذين يمتدحهم ترمب هم أنفسهم من كانوا في صدارة المشهد قبل اندلاع الحرب الأخيرة. فقد كان العميد محمد باقر قاليباف رئيساً لمجلس الشورى، والدكتور مسعود بزشكيان رئيساً للجمهورية، في حين كان عباس عراقجي وزيراً للخارجية، وهو من لا يزال في منصبه اليوم مع كامل طاقمه من دون أي تغيير.

ولم يتغير سوى ثلاثة أعضاء فقط في المجلس الأعلى للأمن القومي؛ إذ جرى استبدال بالقادة العسكريين الذين تخلصت منهم إسرائيل والولايات المتحدة عبر عمليات «اغتيال محددة الأهداف»، نوابهم ومساعديهم.

أما المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لا يزال وجوده الفعلي محل نقاش وجدل، فما هو إلا الابن المفضل للمرشد السابق.

ولم يطرأ أي تغيير يُذكر على السياسات العامة للنظام الإيراني. فهو يواصل إعدام معارضيه، ومصادرة أصول منتقديه، وتنظيم حملات اعتقالات جماعية في جميع أنحاء البلاد، فضلاً عن مواصلة ضخ الأموال والموارد لوكلائه في المنطقة.

إن المتغير الوحيد الذي طرأ على المشهد يتجسد في زعم طهران، خلال الأيام القليلة الماضية، بملكيتها الحصرية والمطلقة لمضيق هرمز. وهو ما عبّر عنه عبد المجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية، يوم الثلاثاء الماضي، بقوله: «سيظل مضيق هرمز خاضعاً للسيادة الحصرية للجمهورية الإيرانية إلى الأبد!»؛ وهو تصريح يُفرغ المحادثات الأخيرة بشأن السيادة المشتركة مع سلطنة عُمان من مضمونها ويجعلها ضرباً من العبث.

ولكن، كيف رضخت «القيادة الحالية»؟

لقد مرَّر مجلس الشورى، الذي يرأسه قاليباف، ثلاثة قوانين على الأقل تحظر قطعيّاً إجراء أي مفاوضات مع «الشيطان الأكبر» الأميركي. بل إن هناك قانوناً أقدم أصدره المجلس نفسه يطالب بمحاكمة ترمب وعديد من مسؤولي إدارته الأولى بتهمة «الاغتيال المحدّد الأهداف» للجنرال قاسم سليماني. ولم يكتفِ المجلس بذلك، وإنما رصد جائزة مقدارها 50 مليون دولار مقابل رأس الرئيس الأميركي.

لذا، فإن رؤية «القيادة الحالية» وهي لا تكتفي بالتفاوض فحسب، إنما وتوافق أيضاً على أي بنود مع مَن صنفته يوماً «العدو الرقم واحد» للنظام، لا يمكن بحال من الأحوال اعتباره مؤشراً على استسلام ترمب.

وبما أنه لم يكن واضحاً على الإطلاق ما كان يريده ترمب حقاً عندما بدأ قصف إيران، فمن الصعب إعلانه منتصراً أو مهزوماً. علاوة على ذلك، ورغم تباهي ترمب وتشدقه بـ«السلام»، فإن ما يُعرض حالياً ليس معاهدة سلام، ولا حتى هدنة تضع حداً نهائياً ومفتوحاً للقتال. فخلال قمة مجموعة السبع في إيفيان، ظل الرئيس يردد أنه سيعاود القصف إذا لم تفعل إيران ما يُفترض بها فعله.

إن كل ما لدينا حتى الآن هو تمديد لمدة 60 يوماً لوقف هش لإطلاق النار، مصحوب بقائمة من المطالب المتبادلة الخاضعة للمساومة والمقايضة. ومع ذلك، فإن المسار الطويل والمعقد الذي صاغه ترمب يظل خطوة مُرحَّباً بها، إذ يتيح للولايات المتحدة انتشال نفسها من مغامرة محفوفة بالمخاطر تفتقر إلى هدف واضح. كما أنه يوقف إلحاق مزيد من الضرر باقتصاد إيران، وبنيتها التحتية، وتراثها الثقافي، ناهيكم بالخسائر البشرية التي وقعت غالباً في صفوف المدنيين.

فهل ستثمر محادثات الـ60 يوماً المرتقبة أي شيء يشبه السلام والاستقرار في المنطقة كما يتمنى كثيرون؟ إن الإجابة القاطعة التي يمكنني تقديمها هي «كلا» حاسمة. فالنظام الخميني ما هو إلا حالة شاذة ومفارقة تاريخية في منطقة تحاول النأي بنفسها عن المهاترات والألاعيب الآيديولوجية، وتسعى جاهدةً نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبطبيعة الحال، قد يأمل البعض أن تسفر هذه «القيادة الجديدة» في طهران، حسب رؤية ترمب، عن ظهور شخصية شبيهة بغورباتشوف أو دينغ شياو بينغ؛ لتقود إيران نحو مسار مغاير.

بيد أنني أرى هذا الأمل، في الوقت الراهن، مجرد وهم. فقد تمكَّن غورباتشوف ودينغ من تغيير المسار لأن الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية كانا يمتلكان بنية حزبية راسخة الجذور، إلى جانب قوات مسلحة شديدة المركزية. ولا يتوفر أيٌّ من هذين الشرطين في الجمهورية الإيرانية، التي تبدو عبارة عن خليط غير متجانس من الإقطاعيات السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي تتحرك في اتجاهات متضاربة، في حين ترى أن الحفاظ على الوضع الراهن مسألة وجودية لضمان البقاء. إنها أشبه بمنظار «الكاليدوسكوب المتعدد الألوان» الذي إذا أدرته يميناً أو يساراً يمنحك أشكالاً وألواناً شديدة التباين، لكنه يظل في جوهره الفني الشيء نفسه من دون تغيير.

ويضم النظام الخميني شخصيات تبدو في حديثها لشبكة «سي إن إن» مثل الديمقراطيين الاجتماعيين السويديين، لكنها تظل في قرارة نفسها ملتزمة بـ«صياغة بشرية جديدة» بالقدر نفسه الذي كان عليه «بول بوت» في عهده. كما تجد فيه أيضاً شخصيات ترى في قتل الأميركيين عملاً دينياً مبروراً، لكنها ترسل أبناءها إلى الولايات المتحدة لتلقي التعليم.

إن التكتيك الذي ستتبعه طهران بات جلياً: المماطلة وإطالة أمد المحادثات حتى يرحل ترمب ونتنياهو عن المشهد، تماماً كما فعلت مع ستة رؤساء أميركيين سابقين ومثلهم من رؤساء الوزارات الإسرائيليين.

وإذا ما قُدّر لفترة الـ60 يوماً أن تبدأ فعلياً، فقد تضع خريطة طريق تشير إلى أهداف منشودة عدة؛ لتُسمى المرحلة التالية بـ«إجراءات بناء الثقة»، تعقبها مرحلة ثالثة تُدعى «آليات التنفيذ»، وبعبارة أخرى، خريطة طريق ليس غرضها سوى تضليل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وجرهما وراء سراب.

كلا، لم يستسلم ترمب حتى الآن، على الأقل.

كل ما في الأمر أنه يتمتع بذكاء تجاري وحس تسويقي جعله يشم رائحة صفقة مشبوهة، فمنح نفسه المتسع من الوقت للتفكير في أسباب وكيفية استدراجه إليها، ثم النظر ملياً في خطوته التالية، والتي قد تشمل خيار تركهم يتخبطون ويعانون في أزمتهم الخاصة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل ستُثمر محادثات الـ60 يوماً المرتقبة هل ستُثمر محادثات الـ60 يوماً المرتقبة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt