توقيت القاهرة المحلي 16:30:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بايدن والمسمار الماسوشي

  مصر اليوم -

بايدن والمسمار الماسوشي

بقلم - أمير طاهري

كيف يمكننا مساعدة الشعب الإيراني على استعادة حياته الطبيعية؟
كان هذا السؤال قد طرحه عليّ صديق ياباني سنة 2019 فيما بدا آنذاك أنه محادثة غير رسمية في مطعم إيراني في لندن.
وبعد ثلاث سنوات، علمت أن السؤال كان أكثر من مجرد ملاحظة على مائدة عشاء لإطالة أمد المحادثة. وكان ذلك الصديق يتحدث بوضوح عن قلة من الناس معنيين بالتكتيكات التي يتعين على رئيس الوزراء الياباني آنذاك شينزو آبي أن ينتهجها خلال زيارة لطهران لإقناع الملالي الحاكمين بإعادة إيران إلى «الحياة الطبيعية».
واتباعاً لعادتي القديمة بتدوين مثل هذه اللقاءات لاستعمالها في المستقبل، دوّنت الأجزاء الرئيسية من ردي في الأمسية نفسها.
تبدأ الملاحظات على هذا المنوال: ليس هناك من سبيل لك أو لأي شخص آخر لمساعدة الشعب الإيراني على العودة إلى الحياة الطبيعية ما دام النظام الحالي قائماً في طهران. الشعب الذي يجد نفسه تحت قبضة نظام استبدادي وحشي يزعم حيازته التفويض الإلهي بالحكم، وعلى استعداد دائم لارتكاب كل ما يلزم - وبلا حدود - للاستمرار في السلطة، هو في حقيقة الأمر شعب غير مستقر، ولا يستطيع الاستعانة بأي شخص أو جهة من الخارج ممن يملكون أفضل النوايا.
إذا ساعدتم إيران على تحسين اقتصادها، فإن الجانب الأعظم من العائدات سوف يذهب إلى تعزيز أجهزة القمع، مع حصول الناس على الفتات فقط لإبقاء الأفواه مغلقة.
وفي الوقت نفسه، سوف تنشر الآلة الدعائية للنظام رواية مفادها أنه قد تعين على الأجانب الأشرار الإذعان بتقديم بعض التنازلات بفضل «الغيرة والحمية الثورية» للنظام، وأن «قوى الغطرسة» باتت تتقهقر تحت ضربات القوة الصاعقة والصاعدة الجديدة للإسلام، التي كان مقدراً لها غزو العالم بأسره و«هداية» الشعب الياباني إلى المذهب الشيعي.
الأسوأ من ذلك، أن الدعاية التي يروّج لها النظام كانت لتزعم أن ما يقدمه «الأجنبي الشرير» ليس سوى جزء ضئيل مما سرقه من إيران، وأن قدراً أعظم من النضال ضد العدو من شأنه أن يرغمه على تقديم المزيد من التنازلات.
إذا ما عقدتم اتفاقاً مع الفصيل المفترض أنه «عقلاني» داخل النظام، فسوف يبذل خصومه قصارى جهدهم لإفساد الاتفاق. ألم تلاحظوا أنه كلما اقترب الفصيل الذي تعتبرونه «عقلانياً» من التطبيع، تشرع الفصائل الأخرى في احتجاز الرهائن من رعاياكم، أو زرع القنابل في مدنكم، أو مداهمة سفاراتكم لعرقلة المجريات؟
وعلى مدى العشريات الأربع المنقضية، حاولت أكثر من 20 دولة مهادنة ملالي طهران بكل أشكال الاستمالة. فقد منحت الحكومة الألمانية إيران وضعية الدولة الأولى بالرعاية. وقدمت فرنسا ضمانات تجارية استثنائية لطهران. واعتذرت حكومة الولايات المتحدة عن «أخطاء» غير معروفة، وربما غير موجودة، كان من المفترض أن ترتكبها في حق الإسلام.
أيضاً عقد الرئيس جورج دبليو بوش اجتماعات سرية مع مبعوثين من طهران، مؤكداً أن «حُسن النوايا يأتي بحسن النوايا»، حتى إن الرئيس باراك أوباما هرّب 1.7 مليار دولار نقداً «لمساعدة الشعب الإيراني»، غير أن الأموال ذهبت بالكامل إلى الآلة القمعية للنظام. لكن في كل مرة كانت «النوايا الحسنة» الملعونة تسفر عن احتجاز رهائن جدد، وشن حملة أكثر ضراوة من التشهير ضد «القوى الأجنبية الشريرة».
وأياً كان ما قد تقدمه قوة أجنبية بأفضل النوايا فسوف يذهب إلى النظام وليس إلى الشعب الإيراني.
هل تتذكرون كيف ساعد الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا، والملكة رانيا ملكة الأردن، والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في جمع مبالغ ضخمة لمساعدة المتضررين من الزلزال في مدينة «بم» جنوب شرقي إيران؟ حسناً، لم تبلغ أيادي هؤلاء المتضررين ولا حتى الفتات من تلك المساعدات، في حين ادعت الدعاية الخمينية وقتها أن «الأجنبي الشرير» يستخدم المساعدات الإنسانية غطاءً للتجسس وتحويل الإيرانيين إلى أديان «منسوخة» مثل المسيحية.
حسناً، إذا كان تقديم المساعدة عديم الفائدة، فماذا عن إلحاق الضرر كوسيلة من وسائل تغيير الأوضاع؟
هذا أيضاً لن ينجح.
هجمات الوخز السريع طفيفة المفعول وسهلة الإخماد، وأي ضرر قد تسببه يُوجه بعيداً عن سدنة النظام وفي اتجاه الشعب؛ ذلك أن الحرب التي دامت 8 أعوام مع العراق لم تهز النظام الإيراني الحاكم، ولكنها حصدت أرواح أكثر من مليون مواطن، ودمرت أربع مقاطعات إيرانية، وأسفرت عن نزوح 3.5 مليون شخص. وفي أبريل (نيسان) 1988، عصفت القوات البحرية الأميركية بالقوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري»، بعد معركة بحرية استمرت نحو 18 ساعة، وقفت فيها البحرية الإيرانية موقف الصيد السهل. غير أن هذا لم يمنع النظام من الزعم بتحقيق «أكبر نصر بحري» في تاريخ إيران، بل وإخراج الأميركيين من «المياه الإسلامية المقدسة».
وحتى حادثة إسقاط طائرة الركاب الإيرانية - التي وقعت من دون قصد - قد استخدمتها دعاية نظام الملالي ذريعة لإثارة الغضب الشعبي وتأجيج مشاعر كراهية الأجانب التي تنكرت تحت عباءة القومية لصالح نظام يُعارض أي شيء يشبه الوطنية.
لا يتحدث المرشد الأعلى علي خامنئي كثيراً عن طبيعة نظامه، فهو يقول: «لن نكون أبداً طبيعيين»، لاعقاً شفتيه في تحدٍّ زائف. في واحدة من سيره الذاتية العديدة المُصرح بنشرها، يقول إن قصيدته المفضلة هي بيتان من الشعر للشاعر الإيراني الراحل محمد تقي بهار، إذ يقول:
صمود المسمار وثباته
يستأهل أن يصير عبرة للبشر
كلما حاولوا تحطيم رأسه
بقي في مكانه واستقر
من غير المجدي إقناع خامنئي بأن البشر مختلفون عن المسامير، وأنه حتى في هذه الحالة، فإن المسمار الماسوشي «المُستألم» مجرد شيء في يد رجل يواصل الدق على رأسه ليثبته في المكان الذي اختاره له.
لذا، إذا كان الجزر لا يُؤكل إلا لشحذ الأسنان، وتُستخدم العصي لضرب الناس العاديين وليس «مُقرري» مصالح النظام، فما العمل؟ إحدى الإجابات تدور حول تركهم لتحمل عاقبة سوء أفعالهم وحتى يتعفنوا في قبور تناقضاتهم. هذا ما حدث للاتحاد السوفياتي الذي كان يتغذى على جزرات لا نهاية لها وتسفعه أعداد لا حصر لها من الأعواد الشائكة، لكنه فشل في تغيير مساره حتى انهار تحت وطأة تناقضاته الذاتية. لكن الحقيقة التي لا بد أن نرويها أن ذلك وسيلة للتهرب من السؤال الذي ربما قد يطرحه شينزو آبي. وربما كان الجواب الأفضل: «لا أحد يعرف!»... فقط الفرنسيون يعرفون، باعتبارهم ديكارتيين (من أتباع فلسفة ديكارت)، الذين يعتقدون أنه إذا كان هناك سؤال فلا بد أيضاً من وجود إجابة واحدة على الأقل. وأحياناً قد تكون هناك إجابات لأسئلة غير موجودة بالأساس.
وعلى أي حال، فقد ذهب آبي الراحل إلى طهران للعب دور صانع السلام، وتعرض للإهانة، وطُلب منه العودة إلى بلاده خالي الوفاض. واللافت للنظر أن الرئيس جو بايدن، أو أياً كانت هوية المتحدث من حاشيته، لا يزال يعتقد أنه باستطاعته تطبيع ما جبل لأن يكون غير طبيعي بالأساس.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بايدن والمسمار الماسوشي بايدن والمسمار الماسوشي



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt