توقيت القاهرة المحلي 00:15:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللغةُ العربية... إنقاذٌ أمِ انغلاق

  مصر اليوم -

اللغةُ العربية إنقاذٌ أمِ انغلاق

بقلم: عبد الرحمن الراشد

من الطَّبيعي أن تتنازعَ لغتَنا العربية تياراتُ التحديث والمحافظة، يشدُّها من جانبٍ القلقونَ عليهَا، ومن جانبٍ آخرَ أولئك الواثقون بقدراتها، المتطلّعون إلى الانفتاح على ثقافات العالم.

مهمَا كانَ الخلاف، فالعربيةُ لغةٌ حيَّةٌ، ومعبّرةٌ، وغنيَّةٌ، وفوقَ هذا عالميةٌ، فقد بلغَ عددُ الناطقينَ بها أكثرَ من ثلاثمائة مليون إنسان. وهي سادسُ لغاتِ العالم، وإحدَى لغاتِ الأممِ المتحدةِ الرسمية. كمَا أنَّ معظمَ شركاتِ التقنية تشملُها في تطبيقاتِها الحديثةِ، بما في ذلكَ منصَّاتُ الذكاءِ الاصطناعي.

التَّواصلُ الحضاريُّ بين الأمم، لغوياً وثقافياً واجتماعياً، وصلَ إلى مستوًى غيرِ مسبوقٍ في تاريخِ الإنسان. حتَّى في العصور الماضيةِ حين كانتِ المسافاتُ تقطعُ بالأسابيع والأشهر، وكانتِ المعمورةُ أقلَّ بشراً بسبعةِ ملياراتِ نسمة عن اليوم، كانتِ الثَّقافاتُ مترابطة. لم تبخلِ الحضاراتُ بعضُها على بعضٍ بثمارِ المعرفة، بالنَّقلِ والاستعارة، ولم توصدْ أبوابُ العلومِ والفنونِ واللغات الأجنبية. ومَا الثَّقافات في جوهرها إلَّا ذاكرةٌ جماعيةٌ وتراكماتٌ تاريخيّة، وليست إنتاجاً لأمةٍ وحدَها.

أقامَ أجدادُنا في إسبانيا ثمانيةَ قرونٍ وتركوا خلفَهم إرثاً أدبياً كبيراً انتقلَ للإسبانية واللاتينياتِ الأخرى. وحكمَ الإنجليزُ والفرنسيونَ منطقتَنا العربيةَ قرنين، رحلُوا وبقيتْ قصورُهم وثقافاتُهم ونقلنَا عنهم. هكذَا طبع الأمم تستنسخ وتقلد الحضارات الأكثر ازدهاراً.

لنلقِ نظرةً على ماذَا تركنا خلفَنا، الأكاديميةُ الملكيةُ الإسبانيةُ تقول أدخلَ العربُ على اللغة الإسبانية خمسةَ آلاف كلمة، منها نحو ألفِ كلمة لا تزال تستخدم في لغتهم. ومنها مَا نُقل للإنجليزية والفرنسية مثل «قطن» و«سكر» و«كحول» و«الجبر».

وفي العالم الجديد استنسخوا كلماتٍ وأسماء، في الولايات المتحدة، التي أسَّسها وسيطر عليها الأوروبيون، مدن تسمى مكة والمدينة، ويتكرّر اسمُ القاهرة في ثلاثِ ولايات، وبغدادُ ودمشقُ في أربع ولايات. وسمُّوا أطفالَهم بعمرَ وعلي.

الحضارةُ الغربية اليومَ مهيمنةٌ، وهيَ الأكثرُ حركةً وحيوية، ولسنَا وحدَنا المتأثرين بهَا. لنأخذِ اليابان مثلاً، إذ كثيراً ما يُستشهد ببلدِ الساموراي أنَّها متمسكةٌ بلغتِها وتقاليدها. الحقيقةُ هي أنَّ اليابانيين ليسوا بهذا «الكمال». فالتأثيرُ الأميركي واضحٌ على مجتمعهم، في الثَّقافة والتقنيةِ والموضة. البريدُ الإلكتروني اسمُه «إيميل»، والحقيبةُ «باغ»، والعصيرُ «جوس»، والمكتبُ «أوفيس»، والاجتماعُ «ميتنغ»، والأخبارُ «نيوز»، وطبعاً القهوةُ، ذاتُ الجذرِ العربي، ينطقونَها مثلَ الأميركيين «كوفي» بمَا يناسبُ لسانَهم، مثلما نقول عن «بريتن» مثلاً بريطانيا بما يناسبُ اللسان العربي.

وكبقية الشعوب، يتأثَّرون بمحيطهم الدَّولي، أو لنقلِ العولمة، ففي وسط طوكيو وأوساكا ويوكوهاما أسماء إنجليزيةٌ لشوارعها وميادينِها.

وخطرَ لي أن أبحثَ كيف تعاملَ اللغويون في العالم مع أهمّ أداة استنبطها الإنسانُ حديثاً، Artificial Intelligence، العرب عرَّبوها بأحدَ عشر حرفاً «الذكاء الاصطناعي». في حين أنَّ معظمَ الأمم تبنَّت المختصرَ الإنجليزي المكوَّن من حرفين AI.

نحن لسنا أمةً طارئة على الاختلاط اللغوي، فالعربيةُ على مدى قرونٍ لغةٌ خالطت لغاتِ المنطقةِ ولهجاتها. في وسط السعودية وبعضِ دول المنطقة يستخدمون كلماتٍ تركيةَ الأصل مثل «دريشة» و«بشت» و«طشت» و«بندق» و«خيشة» و«زولية»، وكلمات فارسية مثل «فنجال» و«بستان» و«بخشة» و«زبده» و«دريول». فمَا المستهجنُ عندما نسمي شيئاً جديداً باسمه الذي أُطلق عليه مثل «تلفزيون» و«راديو» و«بنزين»، ونسمي الذكاءَ الاصطناعي «إيه آي» أو «ذال صاد». ونسمي الحاسبَ الآلي بالكومبيوتر كمَا سمَّاه مخترعوه، وكمَا نقلوا عنَّا كلماتٍ مثل «الكحول» و«الجبر» و«زيت» و«سمسم».

لا خوف على لغتنا، عراقتها راسخة، وخالدة لأنَّها لغة القرآن، ورابحة بجمهورها الكبير، ثلث مليار إنسان. وهي مرنة وكريمة تأخذ وتعطي وتستوعب. وهذا الانفتاح لا يعني تبنّي كل مصطلح مستحدث بلغته، فقد تم استحداث مصطلحات سهلة ومعبّرة كـ«الهوية الرقمية»، و«الواقع المعزز» عندما يدمج المحتوى كالصور مع العالم الحقيقي. وهناك كلمات عُرّبت مثل foresight إلى استشراف، سهلة ومعبّرة رغم الإفراط في استخدامها في غير معناها.

ويظل الكومبيوتر كومبيوتراً بالعربي، وإن تمسّك بعضٌ بـ«الحاسب الآلي» فذلك حقُّهم. إنَّما ليس من الحكمةِ لنَا أن ننغلقَ على أسماء سمَّيناها وأولادنا، ونهجو من يستعيرُ الأسماءَ الأجنبية ويدخلها في شوارعنا أو حفائظِ نفوسنا.

التَّعصبُ ضد الكلماتِ الأجنبية يضيقُ على اللغة العربية وليس العكس، فماكينةُ الحضارةِ المنتجة هي هناك. إضافة إلى أنَّهم؛ أي حراس اللغة الإنجليزية، يبادرون إلى إدخال ما معدّلُه ألف كلمةٍ جديدة كلَّ عام إلى أمّ القواميس الإنجليزية OED، وأحياناً تصل إلى أربعة آلاف كلمة جديدة، تشمل مصطلحات مثل إسلامفوبيا وكلمات نشأت من الأزمات المعاصرة مثل «الخمينية» و«حماس» و«انتفاضة» و«فتوى».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللغةُ العربية إنقاذٌ أمِ انغلاق اللغةُ العربية إنقاذٌ أمِ انغلاق



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt