توقيت القاهرة المحلي 23:28:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا يدافعون عن إيران؟

  مصر اليوم -

لماذا يدافعون عن إيران

بقلم : عبد الرحمن الراشد

يفترض، نظرياً على الأقل، أن تقف الغالبية العربية موقفاً واضحاً ضد إيران في عدوانها على ثماني دول عربية، ست خليجية، إضافة إلى العراق والأردن. لكن الواقع أكثر تعقيداً وأقل انسجاماً. إذ نرى جيوباً وتيارات لا تكتفي بالصمت، بل ترفع صوتها بالتبرير أو حتى التأييد لهجمات طهران.

الحقيقة، هذه الدول التي تتعرض للهجوم ليست في حاجة إلى أكثر من موقف معنوي وأخلاقي، مدركين أن كل دولة عربية أخرى لديها مشاكلها الأمنية والسياسية والاقتصادية من دون أن نضيف إليها أعباء جديدة.

وقوف هذه الفئات مع إيران في استهدافها دول الخليج ليس استثناء، بل هو امتداد لنمط تبريري متكرر. فلبنان، منذ ثلاثة عقود، يعيش دورات من الانهيار والدمار تحت تأثير مشروع إيران وأدواته، وعلى رأسها «حزب الله»، ومع ذلك ظلّت قطاعات عربية لا ترى لبنان بلداً وشعباً، بل مجرد معسكر، وتمنح هذا الواقع غطاء بحجة «المقاومة». وما يحدث في الخليج اليوم يعيد إنتاج المشهد ذاته. استهداف إيران إسرائيل يبرر العدوان على الخليج.

وليس ذلك جديداً على الذاكرة العربية. فقد بُرر احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 بخطابات مشابهة، تُعيد تعريف العدوان على الخليجيين باعتباره «توازناً» مع العدو! هذه الأطروحات لا تموت بل تتناسل عبر أجيال. العلة في البنية الثقافية التي تُعيد تفسير الوقائع وفق قوالب جاهزة ونظريات مؤامرة عن التوسع وتصفية القضية وغيرها من مسوغات الاعتداء.

هذا التبسيط قد يبدو مريحاً للشارع الذي تتم تغذيته بحيث يختزل تعقيد ما يحدث في سرديات ونظريات سهلة: «مشروع توسعي إسرائيلي» أو «فرض شرق أوسط جديد». إنما الفارق يكمن بين من يجلس في المسرح متفرجاً، والضحية الذي يجلس على خشبة مسرح الحدث.

في زمن الأزمات الكبرى ليس الصراع عسكرياً فحسب، بل له جبهات موازية فكرية وثقافية. كل تيار يعيد قراءة الحرب وفق ثقافته المسبقة، التي شُحنت طويلاً بخطابات وتصورات تحريضية. ومع مرور الوقت تصبح هذه القوالب عبئاً يعيق الفهم والتكيّف.

العرب غير المجاورين لإيران لا يشعرون بخطرها المباشر، ولا يعتبرون أذرعها مثل «الحوثي» و«حزب الله» و«العصائب» قضية. في تفكيرهم، العالم ينقسم إلى أبيض وأسود، ويختزله في فلسطين وإسرائيل. قد لا يكون ذلك بالضرورة تعبيراً يرغب في إيذاء هذه الدول، ضحايا التغول الإيراني، بقدر ما هو نتاج لخطاب سياسي وثقافي يبرر العدوان.

فقط من يجاور إيران يشعر بخطرها وبمشروعها العسكري الهائل من القدرات الصاروخية، والشبكات الوكيلة، والتهديد الأمني. وهي ليست نظرية احتمالات بل لها تاريخ طويل من الاعتداءات على هذه الدول منذ الثمانينات فيما لا علاقة له بفلسطين أو الغرب. البقية لا يشعرون بهذا التهديد ولا يهمهم هذا التهديد، وكثير منهم ينكر حقيقة وجوده في ظل تبسيطهم للعالم من حولهم مع وضد إسرائيل. وهذا لا ينفي بأي شكل كان عدالة القضية الفلسطينية واستحقاقاتها ومظلومية أهلها.

الإشكالية الأخلاقية نفسها رأيناها في الأزمة السورية، حيث وقفت قوى رسمية وشعبية عربية إلى جانب نظام الأسد فقط؛ لأن موقفه العلني هو ضد إسرائيل، وأن ما يحدث من ثورة مؤامرة إسرائيلية. نصف مليون قتيل ظلماً على أيدي رجال الأسد وقاسم سليماني لم يحرك عقل وتفكير هؤلاء. تغير المشهد، وتبين أن النظام الجديد ضحية لاعتداءات إسرائيل، وخطاب الرئيس أحمد الشرع أيضاً ضد إسرائيل. لم يترجم ذلك إلى موقف ضد إيران بأثر رجعي.

لسخرية القدر وللمفارقة، فإن هذا الارتباك لا يقتصر على دول بعيدة جغرافياً عن صواريخ ومسيّرات العدو الإيراني، بل نلمسه داخل دول الخليج نفسها. ليس لأن «هذا البعض» من الخليجيين لا يعلم، بل لأنه من الجمهور، أسير سرديات صاغتها وسائل الإعلام والثقافة لعقود: إيران كضحية مستهدفة من الغرب و«حزب الله» كحركة مقاومة. حتى في عقر دار «دول المواجهة لإيران» تباع وتزرع هذه القناعات.

مرت فترة أربكتهم؛ هي صور الثورة السورية التي كشفت المشاركة الإيرانية وما فعلته من مذابح واسعة. ومع ذلك أعادت إنتاج نفسها باستخدام نظريات المؤامرة التي تبرر لعدوان إيران.

ما نواجهه ليس خلافاً بيننا على حدث اللحظة، عدوان إيران، بل أكبر من ذلك، نعاني من أزمة ثقافة واسعة لا أحد يرغب في مواجهتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا يدافعون عن إيران لماذا يدافعون عن إيران



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt