توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين السَّلام والسِّلاح

  مصر اليوم -

بين السَّلام والسِّلاح

بقلم - عبد الرحمن الراشد

بخلافِ المزاعمِ الطاغيةِ في الثقافةِ النُّخبوية والشعبية، فإنَّ كلَّ الحروبِ والاشتباكاتِ والعمليات الانتحاريةِ وسكاكينِ المطبخ لم تمنحِ الفلسطينيين والعربَ، لا الأرض ولا الدولة، أو الحقوق، ولم تمنعِ الاستيطانَ ولا التغولَ الإسرائيلي.

أيضاً، النّصفُ الثاني من الحقيقة، أنَّ كلَّ ما تمَّ تحقيقُه من «مكاسب»، من استرداد سيناء المصرية، ووادي عربة الأردني، والضفةِ الغربية وغزة، جاءَ عبرَ التفاوضِ السَّلمي. ولا ننسَى أحدثَها، المربَّعَ البتروليَّ اللبنانيَّ في المياهِ المشتركةِ مع إسرائيل، الذي وُقّع اتفاقُه في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي. عندما واجهتِ السلطاتُ اللبنانية، ومعها «حزبُ الله»، خيارين؛ القوةَ أو التفاوض، اختارت التفاوض، لا التقاتل. لجأ اللبنانيون إلى المحامين بدلاً من الميليشيات، ووقَّعوا خريطةً تعترف بالحدودِ البحرية مع إسرائيل، ليُسمحَ لهم بعدها بالبحث عن الغازِ والبترول.

هذه حقائقُ ثابتةٌ في مناظرةِ السَّلام والسِّلاح، وإنْ جرَّبَ بعضٌ استحضارَ إخفاقاتِ الاتفاقات، والاستدلال بها على فشلِ المشاريع السَّلمية والتفاوضية، وهي صحيحةٌ مثل تعنّتِ إسرائيل وعدمِ الوفاءِ بكل التزاماتها في اتفاق أوسلو. إنَّما ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه. لن تتحقَّقَ أماني الشعب الفلسطيني بدولةٍ مستقلةٍ وعاصمتُها القدسُ الشرقية، وإعادة اللاجئين، إلا بأحدِ أمرين؛ إمَّا بقوة السّلاح وإما بالمفاوضات، ومنذ عام 1948 لم يتوقّف استخدام القوة، وكلَّما كَبُرَ حجمُ السّلاح كَبُرت الخسارة، والرابطُ بين الحروب والخسائر معروفٌ للجميع. ولو وُجدت قوةٌ تستطيع تحقيقَ إقامةِ الدولة الفلسطينية فلتتقدم، الحقيقةُ لا توجد، وميزانُ القوةِ ينذر بمزيدٍ من الخسائر.

الخلاصة، الخيارُ الأفضلُ في الظروف الأسوأ هو التفاوض، ونحن نَلمسُ في هذه الأزمة الخطيرة فرصةً للحل السلمي، حيث تستولد من رحمِ المآسي الفرصُ الكبيرة. نتنياهو صارَ ضعيفاً، وإن انتصر في حرب غزة، وقضَى على «حماس»، لا أمل له في البقاء. فالرأي العام الإسرائيلي، بأغلبيةٍ ساحقة، يُصرُّ على إبعادِه. ويبقَى التفاوضُ الخيارَ الوحيدَ الذي سيحافظ على شيءٍ من فلسطينَ والفلسطينيين، ويُنهي معاناتِهم الطويلة. وسيُنهي عملياتِ الاستغلال والابتزاز الإقليمي للقضيةِ الفلسطينية من كلّ الأطرافِ التي طالما استغلتها لمآربها.

العنفُ والسلاحُ صار هدفُهما تخريبَ كلّ مشروعِ سلام، وستستمرُّ بعضُ القوى الإقليمية الممانعة في استخدامه. الحقيقة أنَّ كلَّ العملياتِ الانتحارية والاشتباكات المسلحة الرئيسية على مدى العقودِ الثلاثةِ الماضية كانت تحاول إيقافَ محاولات التفاوض. حربُ غزة الحالية اندلعت بعد أسابيعَ قليلة من الحديث عن فكرة التفاوض لإقامة الدولة الفلسطينية. وعندما تعجز كما حدثَ مع اتفاق أوسلو، تسعى لتعطيل تنفيذِه. وكانت تعطي الإسرائيليين المتطرفين، مثل نتنياهو، ذريعةً للتهرب من التزاماتهم. وكانت معظمُ العملياتِ المسلحةِ مدفوعةً بدعم القوى الإقليمية المعارضة؛ صدام حسين وحافظ الأسد وإيران. ويمكن لمَن يشاءُ مراجعة تلازم المسارين، العمليات المسلحة مع مشاريع السلام.

ما حدثَ في أكتوبر يشبه العمليات الانتحارية المتعددة في سبتمبر (أيلول) عام 2001، حيث نجحت «حماس» في تعطيل مفاوضات طابا ــ واشنطن، عندما نفَّذت عملياتٍ متزامنةً وقتلت تسعةَ إسرائيليين. وبدل أن تهاجمَ إسرائيل مواقعَ «كتائب القسام» في غزة، دمَّرت مراكزَ السلطةِ الفلسطينية في رام الله مستخدمةً الدبابات والطائرات المروحية. نجحت «حماس»، والدولُ الممانعة، في إجهاض مشروع كلينتون، الذي قالت «حماس» لاحقاً إنَّها مستعدة للقبول به لو وضع على الطاولة مجدداً، لكن فاتَ الأوان. فقد رحل كلينتون، وهاجمت القاعدةُ أميركا، وغزت أميركا أفغانستان والعراق، وماتَ المشروع الفلسطيني عشرين عاماً، وتوسَّعت المستوطنات، وانكمشت السلطة الفلسطينية، وساءت أحوال أهل غزة. هذا تاريخٌ مختصرٌ لعقم مشروعِ السّلاح لأكثرَ من سبعين عاماً.

وعلى كثرة ترديدِهم دعوة السّلاح، لم يسبق أن انتصر مشروعُ السكاكينِ والسيارات المفخخة والهجمات الفدائية، لم يسترد أرضاً ولم يحقق مكاسبَ، بما في ذلك هجمات أكتوبر الضخمة، بل المخافة من العكس. إضافة إلى الآلاف من القتلى المدنيين، نخشى اليوم أن نخسرَ غزةَ، ويصبح مطلبُنا في السنوات المقبلة فقط استعادةَ القطاع السليب. وللتذكير، غزة نفسُها، استردت في مفاوضات أوسلو، وليس بالسّلاح، وسُلّمت لـ«حماس» بإصرار من إدارة كلينتون على إشراكها في الانتخابات، رغم معارضةِ «فتح».

هل هذا مفهوم خاطئ؟ لا. مع السّلاح والحرب لو كانت ضمن برنامجِ عمل مؤسسات فلسطينية مستقلة متكاملة، النشاط العسكري جزءٌ من مشروع. فالحربُ ليست هدفاً بذاتها، الحرب هي وسيلة غايتُها التوصل إلى حلّ واسترجاع الحقوق. «حماس» خطَّطت ونفَّذت عمليةَ هجومٍ ضخمة، الأضخم منذ حرب 1973، لكنَّها عملية بلا هدف، سوى محاولةِ تعطيلِ مشروع السّلام، الذي سيسير لاحقاً برغبةِ الفلسطينيين وليس رغماً عنهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين السَّلام والسِّلاح بين السَّلام والسِّلاح



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt