توقيت القاهرة المحلي 08:35:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل هناك استعمار جيد؟!

  مصر اليوم -

هل هناك استعمار جيد

بقلم : عماد الدين حسين

بعض الجهلاء والسذج فى البلدان العربية والذين لا يقرأون التاريخ، يرددون بحسن نية حينا وبغباء فى أحيان كثيرة، تمنياتهم بعودة الاستعمار للمنطقة، لأنه من وجهة نظرهم الضحلة، سيجعل حياتهم أفضل كثيرا مما هى عليه الآن فى ظل الحكم الوطنى.
إلى هؤلاء السذج أدعوهم إلى قراءة مغزى الانسحاب الأمريكى المتعجل من أفعانستان هذه الأيام، أو من فيتنام عام ١٩٧٥ أو الانسحاب الإسرائيلى اضطرارا من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠. أو أن يقرأوا تاريخ الاستعمار والاحتلال فى أى مكان وزمان، ليدركوا خطأ وخطيئة تصوراتهم، وأنه لا يوجد احتلال أو استعمار جيد بل سيئ فى كل الأحوال، والفارق فقط فى نوع القفازات والقيود، وهل هى حريرية أم حديدية، لكنها تظل فى النهاية قفازات وقيودا.
الولايات المتحدة تنسحب بسرعة شديدة هذه الأيام من أفغانستان، بعد احتلال مستمر منذ عام ٢٠٠١.
عشرون عاما من الاحتلال كانت حصيلتها أكثر من ثلاثة ملايين قتيل أفغانى، ما بين مدنى وعسكرى، مقابل ٢٤٠٠ قتيل أمريكى وخسائر أكثر من تريليون دولار، ناهيك عن الخسائر النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتى لا تقدر بثمن وسيدفع ثمنها الأفغان لعشرات السنين.
أمريكا غزت أفغانستان فى ٧ أكتوبر ٢٠٠١ بعد أقل من شهر من تفجيرات ١١ سبتمبر فى الولايات المتحدة، والهدف المعلن وقتها القضاء على تنظيم القاعدة. وحكومة طالبان التى تدعمه، ثم تطور الهدف إلى إقامة حكم ديمقرطى فى أفغانستان، والنهوض بمستوى الحياة هناك.
والسؤال: ما هى النتيجة بعد عشرين عاما من الاحتلال؟!
لا شىء، بل إن الأوضاع فى أفغانستان صارت أسوأ من الحال الذى كانت عليه قبل عشرين عاما تحت حكم طالبان.
هل معنى ذلك أننى أروج لحكم طالبان؟!
الإجابة بالطبع هى: «لا» قاطعة، فهذا الحكم وتحالفه مع «القاعدة»، كان سببا جوهريا فى الكثير من الكوارث التى أدت لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وهو الذى مكن كل أعداء العرب والمسلمين من تنفيذ مخططاتهم.
لكن رأينا فى طالبان والقاعدة شىء، والترويج للاحتلال الأمريكى شىء آخر تماما.
شىء من هذا القبيل أن بعض العرب يقول إن أوضاع الفلسطينيين أفضل كثيرا تحت الاحلال الإسرائيلى، مقارنة بحكم السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية أو حتى حركة حماس فى غزة. ورغم العديد من الملاحظات على السلطة وحماس وانقسامهما، إلا أنه لا يمكن بأى حال من الأحوال أن نقارنهما بالاحتلال الإسرائيلى العنصرى والفاشى والهمجى لفلسطين.
الاحتلال ــ أى احتلال ــ يدخل المنطقة فيقتل ويدمر ويعطل ويسلب ويسرق الموارد وثروات الشعوب، وما فعلته أمريكا فى أفغانستان، وقبل ذلك فى فيتنام واضح وضوح الشمس.
السؤال الذى يفترض أن يسأله دعاة «الاستعمار الجيد» لأنفسهم هو: لماذا يؤيد غالبية الأفغان حركة طالبان، رغم كل تطرفها وظلاميتها ولا يؤيدون الحكومة المدعومة من الاحتلال الأمريكى رغم أنها تتحدث كثيرا عن الحرية والديمقراطية والمدنية والحداثة؟!
الإجابة ببساطة أن النفس السوية ترفض الاستعمار وأعوانه مهما كانت الشعارات براقة، لأن الاحتلال يظل احتلالا رغم كل كلماته المعسولة.
بل حتى من مفهوم أخلاقى يهرب الاحتلال الأمريكى بسرعة، تاركا خلفه معظم من تعاونوا معه أو ساعدوه، باستثناءات قليلة وهو الأمر الذى تكرر كثيرا مع الاحتلال الإسرائيلى للجنوب اللبنانى، أو الأمريكى لفيتنام.
وعلينا أن نتذكر نتائج الاحتلال الأمريكى للعراق عام ٢٠٠٣، وادعاءاته بأنه سيؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، لكنه أعاد العراق عقودا إلى الوراء، وقدمها هدية على طبق من ذهب للقوى المتطرفة والطائفية، وهو ما تحاول الحكومات الحالية إصلاحه.
مرة أخرى: هل يعنى رفض الاحتلال أننا ندافع عن صدام حسين الذى كان بسياساته سببا فى هذا الاحتلال، أو نظام طالبان، أو حركة حماس؟
الإجابة مرة أخرى هى: «لا»، ثم «لا»، ثم «لا».
لكن لا يعنى رفضنا لهذه الأنظمة المتسلطة والمستبدة وغير الديمقراطية، أن نؤيد الاستعمار الذى استغل وجود هذه الأنظمة ليحقق أهدافه فى سرقة ثروات هذه الأوطان.
الاحتلال هو الاحتلال، هو سيئ دائما وينبغى مقاومته ودحره، وبعدها تكون الخطوة المهمة وهى معالجة الأوضاع والظروف التى أدت إلى وجوده، وإذا لم يحدث ذلك، فسوف يعود هذا الاستعمار بصورة أخرى بعد فترة من الزمن.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل هناك استعمار جيد هل هناك استعمار جيد



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt