توقيت القاهرة المحلي 15:03:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أحيانا يكون الصمت صاخبا

  مصر اليوم -

أحيانا يكون الصمت صاخبا

بقلم - جميل مطر

هو يتحدث إلى نفسه فى صمت: أحسنت صنعا عندما اخترت كعادتك المقعد على الممر. أنت هنا تحوز على حيز أوسع لتتحرك فيه إحدى ساقيك على الأقل بحرية. من هذا المقعد أنت، كعادتك، تهيمن على الحركة داخل الطائرة. لن يفوتك الكثير. تعلمت بالتجربة أن أكثر الركاب يتمنون أن تتاح لهم الفرصة ليتجولوا فى الطائرة. البعض يفضل قضاء بعض وقت الرحلة يمارس الدردشة مع المضيفين والمضيفات ومع الطيار أو مساعده، أيهما يخرج من سجنه فى كابينة القيادة ليحارب الملل، عدو كل طيار.
هو: أحسنت صنعا عندما كلفت شركة متخصصة فى استقبال الركاب الراغبين فى تفادى الاحتكاك بصعوبات أمنية وبيروقراطية. استقبلنى مندوب واصطحبنى من خارج المطار لأمر مع بطاقة سفرى ووثائقى الرسمية وحقائبى عبر عديد الإجراءات حتى أصل أنا وحقيبة يدى إلى باب الطائرة. هناك عند الباب أستلم من مندوب الشركة أوراقى وأشكره على الخدمة الممتازة وأدلف إلى الطائرة لأجد فى استقبالى مضيفة مبتسمة تدعونى مرحبة لمرافقتها حتى أصل معها إلى مقعدى. أخلع لها جاكتتى بطلب منها فتحملها بحنان واحترام، وقبل أن تغادر تستفسر منى عن حاجتى إلى مشروب معين يعيننى على مواجهة لحظة الانطلاق فى رحلتنا الطويلة وعن الجرائد والمجلات التى أفضلها، وفى صمت تشير بدلال إلى مكان فوق صدرها. هناك حيث أشارت رأيت اسما محفورا أو مطبوعا بخط واضح. صرت أعرف من التجارب السابقة أن المضيفة المتميزة تفضل أن أناديها عند الحاجة باسمها وأننى يجب أن أشعر خلال الرحلة أننى ضيف غير عادى.
استمر توافد الركاب. أحب أن أكون فى انتظارهم عن أن أكون بينهم. أحب رؤيتهم يمرون متريثين أمامى فى ممر الطائرة. أعاينهم راكبا راكبا وراكبة راكبة. أتسلى بما أفعل وفى أحيان كنت أمتحن فراستى فى الناس. أخمن ما يمتهنون أو يحترفون وأقرر بينى وبين نفسى إلى أى حالة اجتماعية ينتسبون. وفى نهاية الرحلة أوظف المضيفين والمضيفات للتحقق من حسن تخميناتى وقراراتى. قطع حبل انتظارى اقتراب سيدة فى طابور الركاب السالكين الممر من حيث جلست. عيناها من دون بقية المارين مسلطتان ناحيتى. ملأ النظرة فضول ورغبات وأمنيات واحتمالات. عرفت من النظرة أن صاحبتها إما أنها تعرفنى أو تعرف عنى أو أنها صاحبة المقعد الخالى المجاور للشباك. هذه القادمة فى اتجاهى قد تكون جارتى لساعات عديدة. الانطباع الأول من على البعد لا يشى بالكثير. ليس صحيحا ما كان يقوله لى معلم اللغة الفرنسية خلال سنين مراهقتى، وهو الذى حمل على عاتقه مهمة إنضاجى فى مجالات أخرى غير مجال تعلم الفرنسية. كان يقول «كل النساء سواء من على البعد وفى العتمة». لم تنقض سنوات قليلة إلا وقد تأكدت من زيف قوله وضيق أفقه وعمق تعصبه. أفقت من انشغالى بانطباعى الأول عنها وقد صارت المضيفة فوقى ترجو منى السماح للراكبة بالمرور نحو مقعدها إلى جانب مقعدى. نهضت بدون تثاقل لأفسح لها مساحة أرحب. تركت مقعدى وخرجت إلى الممر لتدخل هى إلى مقعدها. وما هى إلا دقائق إلا وكنا فى الجو.
• • •
هى تتحدث إلى نفسها فى صمت: أخيرا انتهت المجاملات الرسمية وعدت حرة ولو لساعات الطيران. أريد الآن مشروبا كالذى فى يد جارى. المضيفة نبيهة قرأت ما يدور فى ذهنى وها هى قادمة نحونا. جارى مهذب كما خمنت وأنا أمشى فى الممر نحو مقعدى. رجال كثيرون لا يتركون مقاعدهم لتمر جارة لهم. يكتفون عن عمد أو عن نقص فى التربية الأخلاقية بتوسيع المسافة بين ركبتيهما فتتسع قليلا وليس كثيرا مساحة تسمح بمرور الجارة. خمنت أيضا أنه يكتب ففى يده كما من حوله على مقعده بل وعلى مقعدى صحف ومجلات أجنبية سارع عند وصولى برفعها ووضعها فى الجيب الخلفى للمقعد الذى يجلس وراءه. يهمنى جدا معرفة انتماءاته ومختلف هوياته وموقعه الحقيقى من النساء وموقفه من قضاياهن، قضايا المرهفات منهن والفقيرات أيضا. لن أبادر على كل حال. سيفعل ذلك بالتأكيد. المهم، والمثير بالنسبة لى، أن أرى ابتكارا فى اختياره أسلوب وتوقيت المبادرة بالتحدث معى. سئمت التكرار. أريد تجديدا حتى فى هذه المسألة.
• • •
هو يتحدث إلى نفسه فى صمت: طبعا هى الآن تحسب حساب الرد على مبادرتى بالتحدث إليها. مثل كل النساء هى تتنظر منى أن أبادر. أعرف أنها سوف تبادر. أما كيف عرفت فأمره بسيط للغاية. هذه امرأة واثقة من نفسها إلى أبعد الحدود. رأيتها تمشى فى الممر متوجهة نحوى، أقصد نحو مقعدها، مشية الواثقة من نفسها. واثقة من أناقتها، محتشمة فى ملابس معبرة بقوة عن أنوثتها، بوجه وجسم يحيران الغريب الساعى وراء حقيقة عمرها. من منا لم يحاول أن يحظى بشرف الفوز فى استدلال عمر امرأة. إنه بلا شك شرف مستحق. نظرتها لى وهى تقترب منى لتنفذ إلى مقعدها حملت رسالة لعلها الأسرع فى كل ما وصلنى من رسائل أنثوية. رسالة صامتة تعلن قبول صاحبتها التحدى. من منا سوف يثبت أنه الأقوى صمودا أمام مختلف الإغراءات التى يثمرها هذا النوع من الرحلات الطويلة. أعرف جيدا نوع وحجم الخسارة التى يمكن أن تنتج عن خطأ واحد يقع فيه أى منا فى تصرف غير موفق أيا كانت النية وراءه. الدقة والحرص والذكاء وسرعة البديهة وهدوء الأعصاب والصبر كلها وغيرها شروط يجب توفرها إن شئنا كلانا قضاء رحلة ممتعة فى الطائرة نعيش نذكرها. من ناحيتى سوف أبذل أقصى الجهد لتحييد عواطفى وقد أفلح. نعم، من ناحيتى سوف أعمل ما فى إمكانى لأجعلها رحلة ممتعة أعيش لأحكيها.
• • •
هى تتحدث إليه بالهمس وهما ينزلان من الطائرة: أما وقد صرنا على وشك أن يستقل كل منا سيارة الليموزين المصطفة فى انتظارنا تحت سلم الطائرة والتى سوف تأخذنا إلى الفندق؛ حيث يعقد المؤتمر، دعنا نتعهد بأن نجعل إقامتنا هنا ممتعة كرحلتنا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أحيانا يكون الصمت صاخبا أحيانا يكون الصمت صاخبا



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt