توقيت القاهرة المحلي 06:58:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

انطباعات سيلان.. زيارتان وشتان بينهما

  مصر اليوم -

انطباعات سيلان زيارتان وشتان بينهما

بقلم - جميل مطر

بعد أسابيع قليلة من استلامى العمل بسفارتنا فى نيودلهى وصلتنا رسالة من الديوان العام فى القاهرة. احتوت الرسالة على تكليف السفير بالسفر إلى كولومبو عاصمة دولة سيلان لتقديم أوراق اعتماده سفيرا غير مقيم لدى حكومتها. اتصل مستشار السفارة بمكتب المفوضية العليا لسيلان فى العاصمة الهندية لترتيب برنامج الزيارة وتحديد مواعيدها وإصدار تأشيرات دخول للسفير ومساعد له. بصفتى الأصغر والأحدث فى هيئة السفارة كنت هذا المساعد.
• • •
قضينا ليلة فى بومباى فى فندق تاج محل، أرقى فنادق الهند فى ذلك الوقت. نزلنا فيه ضيوفا على شركة الطيران الأمريكية التى تعهدت بنقلنا إلى كولومبو مساء اليوم التالى. هناك وجدنا فى استقبالنا بالمطار مسئولا كبيرا من الخارجية وفى صحبته شاب صغير قدمه لنا على أنه الدبلوماسى المكلف بمرافقتنا خلال مدة وجودنا فى الدولة. ارتحت للشاب الذى كان فى مثل عمرى أو أكبر بسنة أو اثنتين وأظن أنه ارتاح لى بدليل أنه راح يلمح إلى فكرة أن نخرج معا لنسهر فى ملهى ليلى بعد أن يأوى السفير إلى جناحه فى الفندق.
• • •
كنت بالفعل تواقا للتعرف على مدينة قرأت عنها أنها أكثر تحررا من نيودلهى وأخف روحا إن صح التعبير. بدأنا التنفيذ لسهرة استطلاع. صعد الشاب معى إلى غرفتى لأستعد للخروج إلى السهرة وليتصل بالملهى المناسب لحجز مائدة لنا. أسر لى بأن لا أقلق بشأن النفقات فالتعليمات لديه تقضى بأن يوقع على جميع فواتير الضيوف فالضيافة المقررة لزيارتنا تغطى كافة ما نقوم به من أنشطة. شعرت أن الشاب قد اتخذ قرارا قبل وصولنا بأن ينتهز فرصة وجودنا ليقضى هو نفسه وقتا ممتعا على نفقة الدولة.
• • •
دار بيننا حديث بينما كنت أرتب فى خزانة الملابس ما احتوته حقيبة سفرى، فهمت منه أنه يريد أن أترك سيلان وأنا، حسب تعبيره، عاشق لها. جلس يحكى عن شاطئ هو الأحلى بين شواطئ المحيط، أحلى من المالديف وسيشل، وعن جبال ومدن فيها أروع من مثيلاتها فى سويسرا. انتهيت من تغيير ملابسى وبدأت أطفئ مصابيح الكهرباء عندما دق جرس الهاتف. السفير فى جناحه على الخط يطلب أن «نعمل حسابه» من الآن فصاعدا فى جميع خططنا. ضاعت الفرصة وأجهض الحلم.. أجهض مؤقتا ليعود يتحقق عندما عدت إلى سيلان بعد مرور حوالى عشرين عاما وقد تغير اسمها إلى سريلانكا.
• • •
عدت إلى كولومبو ضمن وفد الجامعة العربية إلى مؤتمر قمة عدم الانحياز. كان محمود رياض يستعد للتخلى عن منصبه كأمين عام فكلف أحد مساعديه وهو السفير والوزير السابق محمد رياض بتشكيل ورئاسة وفد الأمانة العامة للجامعة لحضور المؤتمر لمهمة تنسيق أعمال وأنشطة الوفود العربية فى المؤتمر. كلفنى بقرار آخر أن أكون نائبا لرئيس الوفد. قضينا فى أعمال المؤتمر أياما عديدة ثم قضيت فى ضيافة الصديق مهاب مقبل القائم بأعمال السفارة المصرية أياما إضافية نعمت فيها بكرم نادر فى الاستضافة ورحلات إلى أنحاء شتى فى سيلان. تغير قبل سنوات قليلة من انعقاد المؤتمر اسمها الإنجليزى النشأة إلى سريلانكا، الاسم المتعدد الأصول والمعانى، فهو، حسب ما فهمت وقتذاك، يجمع بين العربى والفارسى والسانسكريتى.
• • •
كان بين أحلامى المتواضعة فى ذلك الحين حلم أن أشرب الشاى السيلانى الأصلى فى بلد نشأته. أشربه كما كان يشربه الإنجليزى، مزارعا كان أم تاجرا أم مستوطنا. لذلك اخترت مع مرافقنا خلال الزيارة الأولى أن نزور مدينة كاندى، موطن الشاى السيلانى، وأن نشربه بالطريقة نفسها التى كان يعد بها فى زمن الاستعمار الإنجليزى. فاتنى أن أطلب صحبة بعينها يتماشى وجودها مع تقاليد وأجواء شرب الشاى. ففى تلك الزيارة كنا مجبرين على اصطحاب السفير وخصاله المعقدة وملابسه القاتمة وكلماته الملغمة بالقنوط واليأس، بينما فى الزيارة الثانية كانت مجالات الاختيار واسعة ورحبة. معذورة المقارنة بين الزيارتين إذا فرضت نفسها علينا وعلى طباعنا منذ ذلك الحين.
بالمقارنة تأكدنا من أن لشرب الشاى طقوسا. أول طقس فيها حسن اختيار رفاق المناسبة وموقعها. يعنى مثلا أن نشرب الشاى السيلانى فى جو برودته ناعمة وودودة، جو غائم تطل علينا من خلال غيومه جبال خضرتها زاهية، وعلى الصحون أمامنا رقائق خبز ممسوح بالزبدة وبعضها تغطيه طبقة أخرى من شرائح رقيقة من الخيار الطازج. محرم فى هذه المناسبة المزج بين شرب الشاى السيلانى والحديث فى السياسة واستحضار المآسى كما حدث معنا فى الزيارة الأولى التى حضرها السفير. مسموح بل ضرورى أن تتولى امرأة صغيرة فى السن أو كبيرة مسئولية الإشراف على حسن سير المناسبة ابتداء من تفريغ الماء الساخن فى براد الشاى بتوقيتات دقيقة وتعويض ما استهلك من رقائق الخبز فى صحون شركاء المناسبة، مناسبة شرب الشاى. وبالفعل وربما لتوفر هذا الشرط فى الزيارة الثانية التى جرت بعد عشرين عاما احتلت سيلان باسمها الجديد مكانة متميزة فى ذاكرتى.
• • •
عشت بعد رحلة كاندى الثانية أحرص على عدم تفويت فرصة أو دعوة لمناسبة شرب الشاى. حضرتها فى نوراليا، المنتجع الرائع فى جماله وبرودته وفى مستوى نزلائه. استمتعت فى نوراليا بكثير مما افتقدته فى مواقع ومنتجعات أخرى فى سريلانكا، وخلال زياراتى المتكررة لمدينة لندن أو إدنبره ثم فى سنتياجو بدولة التشيلى فى جنوب أمريكا لم يفتنى متابعة ما طرأ على هذه المناسبة من تطور فى طقوسها، حتى اسمها طاله التغيير فى تشيلى فصار «أونسى» أى «الحادية عشرة» ولدى عائلات تسكن حيا بعينه فى بيونس آيرس عاصمة الأرجنتين.
• • •
طقوس شرب الشاى وجمال منتجعات سيلان وأمور أخرى اكتشفتها فى رحلتى الثانية إلى هذا البلد الجميل جعلتنى أحتفظ لسيلان بأحلى الذكريات عن رحلاتى فى الخارج. قضيت فى هذا البلد وقتا ممتعا وخرجت من الزيارة الثانية بصفة خاصة بباقة متنوعة التجارب والخبرات وباقة أحلى من الأصدقاء والصديقات، ومن الزيارة الأولى بتوصية ألا أكون فى أخلاق أو طباع أو قدرات السفير عندما أتقدم فى السن وأرتقى فى السلك الدبلوماسى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انطباعات سيلان زيارتان وشتان بينهما انطباعات سيلان زيارتان وشتان بينهما



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt