توقيت القاهرة المحلي 06:58:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سهرات الخميس

  مصر اليوم -

سهرات الخميس

بقلم - جميل مطر

كانت للخميس مع تجارب حياتنا طقوس اختلفت باختلاف النوع فليس كل ما كان يحق للصبيان يحق بالضرورة للبنات. اختلفت أيضا باختلاف العمر فما استحق لى فى مطلع شبابى لم يكن مسموحا لى على امتداد سنوات المراهقة، وما مارست واحترمت من طقوس ومتع مؤسسة على مصروف مقرر سلفا من أهلى حلت محلها طقوس ومتع أخرى معتمدة على دخل أو دخول مقابل أعمال أو خدمات قمت بها، بمقتضاها توقف مصروف الأهل وبالتالى تحررت الطقوس والمتع ولأول مرة من سلطة الأهل.
• • •
أذكر أيضا أننا، سواء كنا فى سن المراهقة أو الشباب، لم نختبر الطفرة عند الانتقال من مرحلة فى الطقوس والمتع المتاحة إلى أخرى. لا شك أننا مررنا داخل كل مرحلة كبرى بمراحل أصغر فالمراهقة فى حد ذاتها مجموعة مراحل. مثلا علمت من أمى فيما بعد أن صحة أبى تراوحت صعودا وهبوطا مع مفاجآت سنوات مراهقتى. كان قلوقا إن صح التعبير أو على الأقل هذا ما فهمت عندما فاجأتها ذات مرة، وما أزال طالبا بالثانوية، بما انتويت فعله. أشفقت على زوجها من الصدمة. تحدثنا وانتهينا إلى حال ألفة جميلة بقيت معنا حتى رحلت المسكينة عن عالمنا.
• • •
الخميس كان «نص يوم» دراسى. نذهب إلى المدرسة فرحين. فاليوم الدراسى قصير وقد خططنا لما بعده. لم يكن لى أصحاب من المدرسة أو على الأقل لا أّذكرهم إن وجدوا. ربما يكمن السبب فى أن أمى لم تكن ترحب بالغرباء، ومنهم رفاق المدرسة وهؤلاء لم يخضعوا للفحص الذى خضع له أصحابى من الحى. غريب أمر أمى. أمى على امتداد عشرين عاما، مدة إقامتنا، لم تقم علاقة مع أى عائلة خارج بيتنا ذى الشقق الثمانية. ولكنها ومن موقعها فى الشرفة المطلة على شارعين رئيسيين استطاعت أن تجمع معلومات شافية عن كل عائلة سكنت فى دائرة قطرها يزيد عن الكيلومتر الواحد. لم أفلح فى التوصل إلى مصادرها. أنكرت دائما أن يكون لها مصادر غير المراقبة عن بعد. أصدقائى فى الحى تعرفهم بالاسم وبالسير الشخصية والعائلية واجتهادهم فى الدرس والتحصيل وحسن «ملافظهم» أثناء اللعب أو الدردشة. كانت فى هدوء الليل تسمع ما نحكيه فيما بيننا على ناصية الطريق غافلين عن حقيقة أن الصوت يمكن أن يصعد مسموعا حتى شرفات الطابق الثالث.
• • •
مع اقتراب الصيف كنا، أقصد تلاميذ الحى، ننتقل خلال الليل مع مصابيحنا الكهربية وكتبنا والكراريس إلى الشرفة لندرس حتى ساعات متأخرة. أذكر أنها لم تفوت ليلة دون أن تمر على شرفتى لتطمئن. تعرض أن تعد كوبا من الشاى وشطيرة مزودة بما تخزنه لمثل هذه الظروف. أو لمجرد أن تتأكد من أن النعاس لم يغلبنى. أو، وهو الأهم كما تيقنت فيما بعد، أن شاغلا معينا عاد يشغلنى عن تحصيل دروسى. أما الشاغل فهو غرفة نوم مضاءة فى بيت عبر شارعنا تنام فيها وتذاكر دروسها فيها فتاة فى مثل عمرى كانت تفضل المشى ذهابا وإيابا فى الغرفة وفى يدها كراستها. كنا فى الحى نعرف أنها مجتهدة فى مدرستها ومستقيمة فى سلوكها وعلاقاتها. كان لأمى رأى آخر وأظن أنه سبب وجيه لزياراتها الليلية المتكررة. قالت ذات مرة، وكأن الأمر لا يعنيها، «إن (ن) متميزة خلقا وخلقا، وهى مهتمة بك ولكنى أعرف أنك منشغل عن هذه الأمور بدراستك. رغينا كتير، أسيبك ترجع إلى مذاكرتك. بس أنا خايفة عليك تبرد، قوم ذاكر جوه». عادت إلى غرفتها وتركتنى أتعامل مع أمر فى شكل النصيحة من أم رحيمة.
• • •
فى الليلة التالية زارتنى أمى كالمعتاد وفى يدها صينية نحاسية تعرف أننى أفضلها على كل الصوانى المتراصة فى خزائن مطبخنا. قالت وهى تزيح إحدى كراساتى لتضع الشاى والشطائر المعدة خصيصا وعيناها لا تغيبان أطول من اللازم عن شرفة زميلتنا (ن)، «أعلم يا حبيبى أن أمها تسعى للاجتماع معك لحاجة فى نفسها، فهى كما تعلم عاشت محرومة من أن يأتيها صبى. أعلم أنها ترتاح لك لطيبة تربيتك وسمعتنا فى الحى». أزحت بوجهى بعيدا عن حيز إبصارها دليلا مكشوفا عن نيتى ممارسة كذب أبيض. قلت هامسا «لا أظن يا أمى».
***
غريب أمر أمى. كانت تقرأنا. مرات كثيرة كانت تقاطعنى فى وجود أبى حتى لا أسترسل فى خطأ أوشكت أن أقع فيه. مرات كثيرة تدخلت عند أبى ليفاتحنى فى أمر ترددت فى إطلاعهما عليه. كانت تعلم ما فى النفوس وكل ما نخفيه عنها. أخفيت عنها قصة لقائى مع السيدة أم (ن). التقيتها بالصدفة المحضة على محطة الترام فى أول شارع خيرت، ابتسمت لها محييا. جاءت ناحيتى ومدت يدها. قالت بصوت خفيض هل يمكن أن أراك مساء اليوم؟ أقابلك على أول طريق الشيخ ريحان لنتكلم خلال الطريق إلى مقر عملى. فى العاشرة مساء اعتذرت من الأصدقاء عن الذهاب معهم إلى السينما واعدا بأن أنضم لاحقا. قابلتها ومشينا نحو شارع عماد الدين. قالت «أعرف أنك تعرف أين أعمل. لن نناقش هذا الموضوع. كل ما يهمنى فى هذه الدنيا ابنتى. أريد لها النجاح فى دراستها كما تنجحون، وأتمنى أن تساعدها فى بعض المواد التى أعتقد أنها فى حاجة لمن يقرأها معها. أنا أعرفك وأثق بك ولبيتكم فى الشارع مكانة محترمة. فكرت فى مدرس خاص خارجى ولكنى أخشى من مغبة أن يدخل رجل غريب بيتى وأنا غير موجودة. هل تقبل هذا التكليف وأنا مستعدة لدفع أى مكافأة ترى أنك تستحقها؟». قبلت التكليف بدون مقابل طبعا.
• • •
هناك فى هذه الشقة البسيطة عرفت أن للشرف معانى متعددة وله مضامين شتى، كلها كريمة. عرفت أن المظهر لا يعكس بالضرورة واقع الحياة والأفضل تجاهله عند تقييم الناس.
• • •
تعلمت أن أغفر قبل أن أعلم وقبل أن أقرر وقبل أن أحكم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سهرات الخميس سهرات الخميس



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt