توقيت القاهرة المحلي 08:39:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حكايات المقهى بشارع سانتافيه

  مصر اليوم -

حكايات المقهى بشارع سانتافيه

بقلم: جميل مطر

خلال إقامتى فى بيونس آيرس عشت فترة غير قصيرة فى شقة بعمارة فخمة على طريق ليبرتادور. هنأنى كثير من أصدقائى فى هذه المدينة الصاخبة والفاتنة على اختيارى مسكنا فى هذا الموقع. كانت الشقة بالطابق الرابع وتطل نوافذها على محطة الريتيرو التى تبدأ عندها وتنتهى فيها جميع القطارات التى تربط محافظات الأرجنتين وداخلها الشاسع بالعاصمة الأم، مركز الثروة والطموح وقاعدة الفن والثقافة والسياسة. تبعد العمارة أمتارا عن حى الفنادق والسفارات وأهم شوارع المشى للتبضع وعن فرص مخالطة الميسورين من أهل الأرجنتين.

• • •

كنا أيضا فى هذه العمارة على مرمى حجر من شارع هو الأهم على الإطلاق بين شوارع المدينة وربما الدولة، هو الأطول لأنه يقطع المدينة من عند أول معالمها ويستمر مستقيما لا ينحنى ولا يعرج ولا تهدأ فيه الحركة حتى يصل بعد ساعة سفر بالقطار أو السيارة إلى مشارف ريف المدينة المترامى عبر الأنهار بعيدا عن كل مظاهر العمران. إنه شارع سنتافيه، الاسم الأكثر شيوعا فى أمريكا اللاتينية، تتسمى به مئات المدن والقرى والمؤسسات والمدارس، ففى الاسم، سانتافيه أى الإيمان المقدس، بركة وتيمن لمن يريد، وما أكثر المريدين فى تلك البلاد والجهات!.

• • •

ما إن استقر بى المقام فى عمارتنا بشارع ليبرتادور الموازى لشاعر سانتافيه حتى انطلقت قدماى تعوضان غياب سيارة لم تكن وصلت من ألمانيا. جبت الحى مرات. وفى أعقاب كل مرة كنت أشكر حظى الذى سمح باختيار هذا الموقع لسكنى. تعلقت بأشياء وأشخاص. كنت صغيرا ولكن أكبر من مراهق وإن أصغر من مجرب. من شباك غرفة مكتبى بالبيت تعلقت بمحطة السكك الحديدية، محطة الريتيرو، وللدقة تعلقت أشد تعلق بالرمز. قرأت قبل ان تطأ قدمى تراب الأرجنتين عن ايفا بيرون، الحكاية التى هزتنى إلى الأعماق. أقول لنفسى أحيانا، أما وقد كبرت يا رجل وجبت الأرجنتين شمالا وجنوبا وخالطت نساء ورجالا فى عديد دول القارة وقارات أخرى وقرأت عديد الروايات المذهلة عاطفيا وقابلت من أهل السياسة من رفعه طموحه إلى القمة ومن خسف به فانتهوا أو انتهين أبطالا فى مأساة ترويها الأجيال، أقول لو أنك قرأت حكايات ايفا بيرون وأنت الآن فى هذا العمر ووراءك تجارب السنين، أراهن أنك ما كنت تأثرت بحكايات قرأتها أو سمعتها وأنت بالكاد فى عمر صرت فيه متأرجحا بين كونك مراهقا أو رجلا، غير واثق تماما لأى النوعين تنتمى. زميلتى الأقرب إلى عقلى سمعت ما أقول فسارعت بالإجابة قبل أن أجيب. همست فى أذنى، يا صديقى الأعز، ثق أنك وفى عمرك هذا لا تزال بعيدا عن هدف تحديد انتمائك.

صديقتى قد تكون على حق. أعترف وإن كنت لا أحب مسايرتها فى هذا الأمر ولا فى مثله. فعشقى لمحطة الريتيرو وانبهارى بحقيقة أن فتاة ريفية فى مقتبل العمر شوهدت تنزل من إحدى عربات الدرجة الثالثة ترتدى فستانا يبدو أنها اشترته مستعملا وتحمل حقيبة ملابس تكاد تتفسخ من كثرة ما حملت، تنزل وهى تحلم بأنها لن تنكسر؛ كان لهما ما يبررهما. نعلم الآن أن الحقيبة حملت كل ما ملكت فتاتنا التى نزلت للتو من القطار تتلفت حولها فى رهبة وانبهار، الانبهار الذى جربه ملايين قبلها لحظة وطأت أقدامهم لأول مرة أرض المدينة، وبعضهم ربما داعبت خيالاتهم معانى من عبارة سبق أن نطق بها طامح عابر، حين قال عشت.. وجئت.. وانتصرت.

• • •

صديقتى كانت على حق. فهناك على الجانب الخلفى من عمارتنا، وعلى شارع سانتافيه، عاش رمز آخر استطاع نيل احترامى وانبهارى، وربما كسب أيضا نوعا مختلفا من عشقى. فالعشق أنواع، عبارة نطقت بها وأنا مراهق وسجلتها كتابة وأنا ناضج بعض الشىء وحاضرت فيها وأنا أشد خبرة وأكثر نضجا. وقعت فى حب مقهى يطل على شارع سانتافيه. هنا أيضا أتوقع أسئلة يغلب عليها فضول أصحابها أكثر من مجرد الرغبة العابرة فى زيادة المعرفة. الاسم إنجليزى والديكور إنجليزى وصاحبته إنجليزية وأكثر ما يقدمه من مرطبات مع القهوة إنجليزى الأصل والمذاق والشكل. لا شىء من كل هذا احتل فى أى يوم مكانة متقدمة فى أولوياتى أو تقلبات أمزجتى. ومع ذلك اجتمعت كل هذه المعانى فشكلت رمزا فريدا أظن أنه دفع زبائن، أنا منهم، لا يتغيرون إلا نادرا. وإن تغيروا فإلى استقرار ودوام.

ومع ذلك، بقى فى سريرتى ما خفى وعشت سنوات أحترم قدسية هذا الوضع ورغبة أكثر من طرف فى إطالة أمد الاستمتاع به. لم تكن هذه الرغبة بعيدة عن أخص رغباتى ولا كانت المحافظة على احترامها غريبة عنى أو صعبة التحقيق. عرفنى أصدقاء فى الأرجنتين شابا أو صديقا حريصا على الكتمان، ربما إلى حد تبنى الغموض قيمة من أهم وأغلى قيم حياتى. اطمأنوا على البعد، إذ لم نكن كشلة أو مجموعة، نجتمع خارج المقهى، حتى بيوتنا لم يدخلها أعضاء هذه الشلة أو المجموعة. بدأت مجموعتنا بى وبسيدة انتقت مائدة تقع فى أحد الأركان الأقل إضاءة فى مقهى فى أصل فكرته خفوت أضوائه. لاحظت فى بداية الأمر أن شابا يصغرها، أو لعله كان من نفس فصيلتها العمرية، يأتى إلى المقهى متأخرا عن موعد قدومها وينضم إلى المائدة التى لا تغيرها وينشغلان بالحديث الهادئ لساعة أو أكثر تنصرف بعدها ويلحق بها بعد مرور وقت غير قصير.

راقبت تصرفاتهما لفضول لا أكثر ولا لشىءآخر، ورغم حرصى يبدو أن السيدة انتبهت إلى انتباهى؛ إذ حدث ذات صباح باكر أن انحنت نادلة المقهى المبتسمة دائما على عكس طبيعة من عرفت من بنات الإنجليز لتهمس فى أذنى بأن سيدة الركن الأقل إضاءة تريد التحدث معى بعد أن أبلغتها النادلة أننى غريب عن الأرجنتين ومقيم فيها لمدة مؤقتة وأننى لا أستقبل فى المقهى ضيوفا من أى عمر أو جنس. ابتسمت فى اتجاهها مرحبا بدعوة التحدث معها. ما هى سوى دقائق إلا ورأيتها قادمة نحوى تحمل ابتسامة ودودة كانت كافية لتجعل مظاهر ترحيبى بمجيئها أدفأ وأقل تكلفا.

لم تمانع فى أن أستقبلها واقفا وأن أسحب لها مقعدا من مائدة مجاورة وأساعدها فى الجلوس عليه، ولكنها اعتذرت عن عدم قبول عرض تقديم شراب لها من أى نوع بحجة أن قهوتها تنتظرها وأن زميلها على وشك الحضور والانضمام لها. نظرت إلى وجهى بتمعن قبل أن تقول «راقبتك لأسابيع كما راقبتنى وربما أكثر لأنك كما تبينت وتحققت أثناء مراقبتى لك شاب خجول. خمنت من أين أتيت. ساعدنى على التخمين المطبوعات التى تحملها. أعرف أى اللغات تفضل وإلى أى الموسيقى تستمع وإلى أى النساء ترتاح وإلى أى الناس تطمئن. أعرف أنك حديث العهد ببلدنا، لا تعرف الكثير عن عاداتنا، تخشى أن يساء فهمك. أنت تراقب لتتعلم قبل أن تتصرف».

انتظرت حتى انتهت. قلت «صحيح معظم ما نطقت به. نعم راقبتك كما كنت تراقبيننى. أنت سيدة تزن نظراتها وكلماتها بميزان ذهب. لهجتك وتصرفاتك أوحت بطبيعة أرستقراطية على غير طبيعة صديقك، وهو بالمناسبة يبدو من على البعد طيب القلب قوى المراس صادق النوايا. كثيرا ما غلبنى إحساس أننا تقابلنا هو وأنا فى مكان ما من قبل أو أن بيننا ما يقربنا الواحد إلى الآخر. صدقينى إن قلت، وأنا الحديث الخبرة بعلاقات البشر، أن بينكما علاقة هى الأقوى وهى العميقة والمتينة ولن أسألك عن ماهيتها، ولكنها علاقة محببة وأستطيع القول إنها حذرة وربما لحرصكما الشديد على المحافظة عليها بعيدا عن أعين الفضوليين والغرباء».

• • •

تقاربنا ثلاثتنا لسنوات ثم ابتعدنا أو قل تباعدنا وإن بقى «كوين بيس» فى ذاكرتنا حيا المقهى الإنجليزى الذى صنع علاقة كانت رائعة. رحلت ولم أعد إلا بعد عقد أو ما يزيد قليلا. مشيت فى سانتافيه وجدته أقل جاذبية ورخاء. عثرت على «كوين بيس» فوجدته متنكرا تحت اسم «الملائكة الصغار». تشجعت ودخلت. لم يتغير الديكور إلا قليلا. تغيرت قائمة الطعام كثيرا. استقبلتنى النادلة الإنجليزية وأظنها صارت جدة لأحفاد دون أن تمر بالسنوات الضرورية لتحقيق هذه النقلة. ذكرتها بنفسى وبزبائن المائدة عند الركن. قالت إنهما اعتقلا، السيدة والشاب، لانتمائهما إلى مجموعة يسارية متطرفة. عذبوا الشاب وكان بالمناسبة «ايخو دى ارابى» أى أرجنتينى من أصل عربى واختفت أخبار زميلته؛ إذ تبين أنها من عائلة غنية معروفة وكانت تمول أنشطة المجموعة ومتزوجة من عقيد بالجيش.

• • •

رحت أسأل عن آخر أخبار معشوقتنا «ايفيتا». سافرت من بيونس آيرس قبل أن أحصل على إجابة قاطعة عما فعلوه بجثمانها، هل حقا ألقى به فى النهر الأعظم المعروف بمار ديل بلاتا أم أذابوه فى الأسيد، أم وجدوه سليما ومحنطا بعناية فأودعوه فى غرفة نوم الرئيس خوان بيرون خلال بدء ولايته الثالثة، أم أقاموا لها صرحا تحت اسم القديسة إيفا.

• • •

غادرت بيونس آيرس حزينا، حتى ذكرياتى تلاعبوا بها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حكايات المقهى بشارع سانتافيه حكايات المقهى بشارع سانتافيه



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt