توقيت القاهرة المحلي 10:19:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحاجات الحلوة اللى حصلت لها فى حياتها

  مصر اليوم -

الحاجات الحلوة اللى حصلت لها فى حياتها

بقلم: جميل مطر

أعود راضيًا إلى قناعة تولدت فى شيخوختى المبكرة عندما اكتشفت فى أطفالنا مصدرًا للحكمة وتفسيرًا أو تبريرًا لبعض تصرفاتنا.
• • •
خطر لى ذات يوم من أيام الجمعة، يوم اجتماع عائلتى، أن أهدى «ليلى» ثانى أكبر أولاد الأحفاد وقد بلغت العاشرة من عمرها أن أهديها شيئًا مفيدًا وبخاصة بعد أن سمعت عن اهتمامها المبكر ببعض الملخصات عن مسرحيات شهيرة فى الأدب العالمى بل وبالتمثيل على خشبة المسرح فى المدرسة دور أو آخر منها. الشئ المفيد كهدية منى كان كراسة أنيقة.
• • •
شرحت لليلى، وأنا أقدمها لها سعيدًا بما سمعته عنها، أن الكراسة، كما تعرفت على مثيلتها صغيرًا ورجعت لها كبيرًا، مخصصة لكتابة يومياتنا، يومًا بيوم. نصحتها، وهى تقبلنى شاكرة، أن تعتبر يومياتها مستودع كل أسرارها مطمئنة إلى أن أحدًا فى البيت لن يقرأها فى غيابها. لم أنسَ، على كل حال، أن أطلب من أمها، التى هى حفيدتى، أن تطمئن ابنتها إلى أنها لن تسمح لأحد الاطلاع على اليوميات.
• • •
مرت أيام، لعلها شهرًا أو أكثر، قبل أن أعود إلى «ليلى» فى زيارة الجمعة «المقررة»، لأسألها عن حصيلة تجربة علاقتها بيومياتها. أجابت بسرعة وبثقة فيما تنوى أن تقول. قالت ما معناه: «يا جدى، فكرت طويلًا مساء كل يوم قبل أن أمسك القلم عن ماذا حدث لى خلال النهار يستحق منى الكتابة عنه. تعرف يا جدى، أجد نفسى فى حيرة. لم يحدث خلال كل تلك الأيام ما يفرحنى فيستحق أن أكتبه الآن من أجل أن أقرأه وأنا فى سن متقدمة. أريد أن أتذكر فقط عندما أكبر كل ما أبهجنى وأدخل السعادة إلى قلبى خلال حياتى. وبالتأكيد لا أريد أن تكون هناك كراسة أو يوميات تذكرنى بأننى لم أكن سعيدة وأنا طفلة أو مراهقة أو امرأة كما كان يجب أن أكون».
• • •
غادرت الطفلة مع أمها وشقيقتها ووالدها البيت مخلفة وراءها نقاشًا حادًا اشتعل فى داخلى. هل معنى ما قالته «ليلى» أننى عندما كتبت عن شوارع وميادين ومدن فى حياتى وعن تجاربى فيها أو معها لم أكتب إلا عن كل ما أبهجنى وتفاديت أكثر ما أزعجنى أو ضايقنى. عدت إلى ما كتبت لأتأكد وقضيت بقية ليلتى أناقش هذا الأمر بعد أن وجدت نفسى مذنبا. المؤكد أننى لم أخترع ما يبهج فما سطرته ذاكرتى سجلته. المؤكد أيضًا أن فيما كتبت ونشرت لم يكن للتعاسة أو التشاؤم نصيب يذكر. يعنى كنت بالفعل سعيدًا وفرحًا أو على هذا النحو سجلت ذكرياتى هذه المرحلة من حياتى ورفضت، وأقصد الذاكرة، تسجيل أى شعور بغضب أو ضيق أو تعاسة.
• • •
بمعنى آخر، هل يمكن أن يكون لطبيعتنا البشرية، إن صح التعبير، دور فى محاولات جعل التقدم فى العمر مرحلة مريحة ومبهجة، أو على الأقل، مرحلة يزيد فيها عناصر البهجة على عناصر البيئة الحاضنة وقتذاك من حروب وظلم اجتماعى ودولى وخيبات أمل، كنا فى انتظاره. غريب أن معظم من عرفت من زملاء العمر المتقدم راحوا يثمنون هذا المعنى. أغلبهم تساءل إن كان هذا المعنى وراء رغبتنا فى أن نقضى وقتًا أطول مع أطفالنا، وإن على انفراد فى الحدائق أو نصحبهم إلى دور السينما التى تبث لصغار السن أفلامًا بالرسومات والمغامرات.
• • •
أتساءل أنا نفسى إن كنت فيما كتبت عن مدن تركت أثرًا فى حياتى أن أهمل عن عمد الإشارة إلى واشنطن أو وارسو أو بلجراد أو كلكتا أو كراتشى أو نيروبى أو فالبارايسو رغم أننى زرتها جميعًا أو عملت فى بعضها. هذه مدن لا أضمر لها غير الخير لكنها بالتأكيد لم تترك فى سجل ذكرياتى ما يستحق الاقتباس دليلًا على الأثر الذى خلفته فى نفسى. بل إن مدنًا أخرى لم يرد ذكرها فيما كتبت عن المدن التى تركت أثرًا، وبدقة أعمق، المدن التى أثرت حياتى، هذه سجلتها ذكرياتى، ولم يتسع لها عمود انطباعات الشروق.
• • •
غالبًا ما سجلت ذاكرتى بكائى ليل نهار وأنا طفل رضيع أو أكبر وامرأة أو أخرى من نساء، فى بيت جدتى فى مرجوش أو فى العمارة التى كنا نقيم فيها بحى الديوان بالتناوب مع بيت العائلة، يمشين بى ذهابًا وإيابًا حتى يغلبنى النوم فأنام. سجلتها الذاكرة لكنها لا تذكرنى بها إلا لمامًا على عكس ما تفعل مع ما سجلته عن فترات إقامتى فى مشربية غرفة «القعاد» فى بيت جدتى. فعلت هذا أو تفعله حتى الآن ربما لأن التجربة كانت ممتعة لى، كانت بمثابة نزهة يومية بين عشرات المارة وعلى أصوات الدق على النحاس فى دكاكين صنع أوعية الطعام وعلى منظر المصلين بجلاليبهم الناصعة البياض، وهم خارجون من الجامع المواجه للبيت.
• • •
أتصور أن لمزاج الطفل وبهجته دورًا فى ترتيب أولويات ما تسجله الذكريات وتحفظ منه ما يستحق أن يحفظ ليعود الإنسان بين الحين والآخر خلال سنوات تقدمه فى العمر إلى ما ارتاح إليه وأحبه وهو طفل. نوع من الحنين إلى أيام الأحضان والرعاية والحب المتناهى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحاجات الحلوة اللى حصلت لها فى حياتها الحاجات الحلوة اللى حصلت لها فى حياتها



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt