توقيت القاهرة المحلي 08:39:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شيء من الحب

  مصر اليوم -

شيء من الحب

بقلم:جميل مطر

معلمى وصديقى الأعز،
تسمح لى أفضفض ورأسى على كتفك. أريدك تسمعنى ولا ترى دموعى، وحتى إن سقطت دمعة على خدى فأصابعى مشرعة لالتقاطها قبل أن تراها. أما إن أفلتت منى وعرفت بسقوطها فرجائى أن تأخذها من عند خدى إلى شعرى. هناك افعل بها ما يحلو لك أن تفعل. علها، وأقصد هذه الدمعة، تروى مكانا امتد إليه جفاف فنبتت فى غفلة من الزمن ومنى شعرة بيضاء.
صرت أهتم بهذه الشعرة الواحدة والوحيدة. رأيتها قبل يومين وأنا أقف أمام مرآتى أصفف شعرى ولم أمنحها من اهتمامى إلا قليلا كأنما كنت فى انتظارها. تشككت فى بداية الأمر. تشككت فى قدرات نظرى فلم أكن وضعت نظاراتى. ومثل معظم من سبقنى فى العمر من رجال ونساء تشككت فى المرآة. فمرآتى ورثتها عن أمى ولا بد أصابها الإنهاك فصارت تعكس ما هو ليس موجودا فى الواقع. بلى زجاجها. امتدت إليه شقوق الزمن، أراها من على سطح زجاجها. أراها خطوطا وتعرجات. سمعت أن من مهام المرآة العتيقة التلاعب ببشرة من تختار من زبائنها، تفردها حينا كصفحة ماء رقراق وتجعدها حينا كأوراق زهرة تعاند الذبول.
قلت لم أكن أهتم بمواقيت العمر إلا قليلا ولكنى اليوم أهتم كثيرا. زال الشك ويحل اليقين أو هكذا بدا لى. وقفت أمام مرآتى أطول من كل المرات السابقة. اقترب منها وابتعد. أضع نظاراتى وأخلعها. أدقق فى تفاصيل ما يظهر على صفحتها، صفحة مرآتى. تركت مرآة تسريحتى وذهبت إلى حقيبة يدى أخرج منها مرآتى الشخصية، بالفعل شخصية فأنا لا أذكر أن أحدا غيرى وضع يده عليها أو بحث عن نفسه فيها. لن تخطئ ولن تبالغ فهى الأقرب بين كل المرايا إلى بشرتى. تحفظ عن ظهر قلب تفاصيل الجزء من بشرتى سعيد الحظ لوجوده قريبا من عينين أعرف أنهما كانتا بين الأجمل فى كل من قابلت فى حياتى من نساء. أثق فيها كل الثقة. لم تخدعنى يوما. الزجاج فيها لم يتعرض لشقوق أو خدوش فعمرها أقل. لم أرثها عن أم أو جدة بل اشتريتها بنفسى من أرقى فرع من فروع شركة تجميل فى باريس لعلها الأشهر فى جودة وحداثة منتجاتها. كنت أشترى الأحسن لاعتقادى أن جانبا من نجاحى مدين لحسن مظهرى واعتنائى بتفاصيلى الأنثوية والمناسبة لمرحلتى العمرية.
معلمى وصديقى،
تعرف عنى الكثير. تعرف أننى خلال مراحل عمرى لم أبد اهتماما كبيرا بالرجل الآخر. الرجل بالنسبة لى كان دائما أبى وشقيقى وزميلى فى الدراسة وفى التنس وفى العمل. لم أنتبه إلا قليلا جدا على ما أذكر بهذا الآخر. نعم تقدم لخطبتى رجلان على مرتين، الواحد بعد الآخر. كنت أدرس فى كاليفورنيا وخطيبى الأول كان يدرس فى سويسرا. التقينا مرتين؛ مرة يوم الخطوبة فى بيت صديق مشترك فى باريس عند مرورى بها فى إجازة، ومرة بعد سنوات بالصدفة تذكرنا خلالها أننا مخطوبان فانتهينا منها. تذكر ولا شك خطيبى الثانى إذ تقابلنا كمتدربين فى مكتبك وقد لا تذكر أنك جمعتنا ذات يوم لتنصحنا بفك هذه الخطوبة، فكلانا كان متعنتا فى رفضه للزواج، ومصرا على التزام حريته وأولوياته فى الحياة وليس بينها الزواج. قلت لنا وقتها هذه خطوبة ضررها أكثر من نفعها، خطوبة طاردة لرجال آخرين محتملين.
• • •
سألتنى ذات يوم. «وماذا بعد؟». أجبتك، «وماذا قبل؟». عدت تسأل «قضيت عديد السنين بدون حب. لماذا لا تجربين الحب ولو لمرة؟». أظن أننى أجبت «دلنى، كيف يجربون الحب». وأضفت «ولكن قبل أن تدلنى على خريطة تجارب حب مناسبة، حاول إن كنت تعرف الطريق إلى الحب أن ترشد هذا الحب إلى طريقى فيأتينى من حيث لا أدرى. يكفينى ويشجعنى أن تعرف أنت من أين يأتى. أخشى إن تركتنى أبحث عنه أضيع. سمعت أن فى الطريق إليه مهالك، وفى السعى نحوه ذل ومهانات. من فضلك اعفنى من مشاق البحث. خذنى إليه أو أرشده إلى مكانى مع توصية منك بأن يكون رحيما بى وصادقا معى».
• • •
«تمهل يا أعز الأصدقاء، لا تذهب الآن. عندى ما أريد مفاتحتك فيه. تعذبنى مشكلة أريد حلا لها. ساعدنى من فضلك.. أنا لا أكره الرجال كما يحلو لك أحيانا أن تتصور.. تفسِّر تعنتى فى مسألة رفض الزواج على أنه كره للرجال أو فى أحسن الأحوال خوف منهم أو لشعور بالذنب تجاههم. نعم، هو الشعور بالذنب. يحدث أن أقابل رجالا فى العمل، وما أكثرهم فى كل مكان أذهب إليه، فى المؤتمرات، فى المصالح الحكومية، فى الطرقات والحافلات والقطارات والطائرات. هم فى كل مكان. من حق كل هؤلاء النظر إلينا علنا أو خلسة والتمعن فى وجوهنا وفى ملابسنا وفى شعرنا، حتى إن كثيرين منهم تتعلق أبصارهم لساعات بخصلة تفلتت من حجاب اجتهد وفشل فى محاولة حجب الشعر كله. لهم الحق ولا حق لنا فى المعاملة بالمثل.
أصارحك القول وهذا ما أفعله معك دائما، أنا واحدة من النساء اللائى انتزعن أكثر من مرة حقهن فى أن ينظرن إلى رجل لفت نظرهن ورحن يتمعن فى تفاصيله، ولكن خلسة وبذكاء لا يتوافر للرجال. يحدث معى أن أرى رجلا يتناول طعامه فى مطعم، لفت نظرى إليه شىء ما لا أستطيع تحديده الآن. نظرت إلى ناحيته ومنها خلسة إليه، كررت النظر وبدأت أتمعن وأيضا خلسة. أقضى على البعد مع هذا الرجل ساعة أنظر إليه وأتمعن فى تفاصيله فتتكاثر خيالاتى وتتداخل متدافعة أحاسيس ومشاعر، من أين جاءت لا أدرى. أعود إلى بيتى مثقلة بالهموم وتأنيب الضمير وعذاب الروح، كيف فكرت أذهب فيما ذهبت إليه وأفعل بنفسى ما فعلت بها. لم يكن جائزا ولا مهذبا ما ذهبت إليه وما فعلت قبل أن أضع الاحتمال أن يكون الرجل الجالس على مائدته أمامى مرتبطا. لقد تجاوزت كل الحدود وغير لائق ما حدث. أنا نادمة.
• • •
فبراير 2020،
صديقى العزيز،
لم يتغير شىء فى حياتى منذ كتبت رسالتى الأخيرة لك قبل نحو عشر سنوات حتى ليلة أمس. حدث ما يجب أن أطلعك عليه. كنا قبل أيام قريبة فى رحلة قمرية فى صحراء الأهرامات. كنا جماعة مختلطة من نساء ورجال. أكلنا وشربنا ولعبنا وتسابقنا فى الجرى حتى نال منا التعب فتمددنا فوق الرمل والقمر فوقنا يطل علينا بكامل هيئته ونوره وسحره. رحنا نتبادل الحديث. أمامى تمدد رجل لم أعرفه من قبل وبجواره تمددت نساء أعرفهن. طالت السهرة. البعض تبادل أماكن وأوضاع التمدد فصار الرجل الغريب متمددا إلى جانبى. لم أمنع نفسى من النظر إليه بتمعن. سألت وتحريت منه شخصيا فعرفت أنه متزوج. لم أهتم ولم أبتعد عنه ولم أتوقف عن الحديث وعن التحرى. أعترف لك أننى كنت مرتاحة البال والضمير. استأذن وفور ذهابه شعرت برعشة، ظننتها نتيجة لفحة من هواء بارد. تبين فيما بعد أنها لم تكن فبعودته وتمدده إلى جانبى سرى دفء غريب فى عروقى. على الفور هدأت الرعشة وغلب على أطرافى ومنها أصابعى شعور كالتنميل وإحساس غامر بالسعادة والفرحة. صرت أضحك وأحكى حكايات حلوة وتطوعت بالغناء فاخترت أغنية عاطفية من أحلى أغانى كوكب الشرق. فعلت ما لم أفعله من قبل فى خروجاتى مع أصحابى من الجنسين.
سيدى.. عدت إلى بيتى، لا وخز ضمير ولا عتاب مع الذات ولا ضيق فى الصدر. عدت والسعادة تغمرنى حتى عدت أغنى لنفسى ما غنيته فى ضوء القمر. لا أذكر أننى اسـتمتعت بنفسى فى حياتى السابقة كما استمتعت بها فى تلك الليلة. اليوم أحيا من جديد.
صديقى: أطلت عليك. سمعتك تهمس بشىء. ارفع صوتك قليلا فأذناى مشغولتان بأصوات أخرى تغنى وتهلل. نعم.. نعم.. سمعتك الآن تقول: «إنه الحب يا صغيرتى..».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شيء من الحب شيء من الحب



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt