توقيت القاهرة المحلي 06:41:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التجويع بهدف التركيع

  مصر اليوم -

التجويع بهدف التركيع

بقلم:بكر عويضة

مساء الجمعة الماضي، عندما بلغني قولٌ صدر عن ناطق باسم الأمم المتحدة، يخبر الناسَ أجمعين، في مشارق العالم والمغارب، أن أهل قطاع غزة هم «الأشدُّ جوعاً على سطح الأرض»، وجدتُّني أرجِّحُ احتمالَ أن الكلام يحمل شيئاً من مبالغة سرعان ما عللتُها بالتعاطف الدولي المفهوم، والمطلوب، في ظل استمرار العناد الإسرائيلي بمنع دخول شاحنات تُقِلُّ مساعدات إنسانية لضحايا حرب بنيامين نتنياهو الهمجية على غزة كلها، وليس ضد مقاتلي حركة «حماس» وحدهم كما يزعم هو وجنرالاته. بيد أن تصريح ينس لاركه، المتحدث باسم «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، لم يدَع مجالاً للريب في أن الرجل يعني ما يقول، ومِن ثَمَّ فإن الذي يحدث على أرض غزة هو بالفعل تجويع شديد ينذر بمجاعة تدق أبواب الجوعى في القطاع المنكوب من الشمال إلى الجنوب.

لماذا ساورني إحساس المبالغة في البداية، ولماذا انتفى فوراً؟ إجابة الشق الأول بسيطة، ويقول مضمونها المُختَصَر إن أشكالاً عدة من الجوع تؤذي كثيراً من جموع البشر في بقاع عدة من الكوكب، فَلِمَ تُعَدُّ غزة تحديداً «الأشدَّ جوعاً على سطح الأرض»؟ حسناً، سوف ينتفي الاستغراب بمجرد استحضار حقيقة أن جوعَ البشر مع حالات الجفاف بفعل انقطاع الأمطار بضع سنوات، وبالتالي تمدد مساحات التصحر في بعض الأمصار، أو الجوعَ الذي يتعرض له ضحايا حوادث الفيضانات والأعاصير عندما تُجرف قرى بأكملها، ويتشرد أهلوها في مناطق عدة، والجوعَ الذي يصيب المشرَّدين جراء الزلازل الكارثية... وغير ذلك من كل حالات الجوع، ناشئة عن كوارث طبيعية ليس لبني البشر دور فيها، إذا وضعنا اتهامات أنصار البيئة جانباً. أما التجويع الحاصل في قطاع غزة، أو في غيره من مسارح الحروب بالعالم، فهو فعلٌ مُمارَسٌ من قبل إنسان تجرد من إنسانيته، ضد إنسان آخر مثله؛ إنما هو، أو هي، أضعف من امتلاك مقومات الدفاع عن النفس... فهل بعد هذا الجبروت في الظلم أي نوع من الجبروت أشد بطشاً؟

رُبَّ متعجل يسارع مجيباً: كلا، ثم يضيف باندهاش: أثَّمة من هو أشد بطشاً من بشر يتعمد تجويع بشر آخرين؟ الجواب البدهي، دون ذرة ريب، هو التالي: نعم، هناك بطش الخالق الذي يستحيل أن يقبل بالظلم، ولا بإثم العدوان، ولو أمهل المُعتدين بعض الوقت. هو ربُّ العالمين، وأعدلُ العادلين، الذي ينحرُ المسلمون كبشَ الفداء في عيد الأضحى، كل عام، تجديداً لميثاق الإيمان به، وبكل الأنبياء والرسل، دون تفريق بين أي منهم. تضحيةُ الفلسطيني المتضورِّ جوعاً في غزة، أو في غيرها، تبدو مستعصيةَ الفهمِ على نتنياهو، ومَن هم على شاكِلتِه. إنها التضحيةُ التي تنبعُ من قلبٍ ينبض بالإيمان فيرفض الركوع لغير ربِّ الناس أجمعين، مهما أمعن المُعتدي في تجويع الأبرياء العُزل، بغرض الإذلال والتركيع.

تبقى ملاحظة أن غداً يوافق الذكرى الـ58 لحرب 5 يونيو (حزيران) عام 1967، التي وضعت نتائجُها أساسَ كل الذي جرى بعدها من مآسٍ وويلات، بما فيها مآسي غزة الحالية، والتي سبقتها، وربما اللاحقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التجويع بهدف التركيع التجويع بهدف التركيع



GMT 08:57 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

الإيراني الحائر والمحير

GMT 08:56 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

لماذا انتفت الحاجة إلى النظام الإيراني؟

GMT 08:53 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

حَذارِ من الطابور الخامس

GMT 08:52 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

الأذرع بين نداء الآيديولوجيا ومصالح الذات

GMT 08:51 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

عن الحرب والنظر إلى العالم...

GMT 08:50 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

مشروع عربي لا بد منه؟

GMT 08:36 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

ليانا... ومنطقة حروب بلا نهاية

GMT 08:35 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

ماذا في جعبة إيران بعد هذه المواجهة الكبرى؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 18:17 2022 الأحد ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

شرم الشيخ التي لم نعرفها من قبل

GMT 21:34 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

في متاهات التعليم

GMT 22:50 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

عمرو أديب يعرب عن حزنه لخسارة الزمالك أمام الأهلي

GMT 19:04 2022 الخميس ,03 آذار/ مارس

تأهيل الحكومة الرقمية من أجل التنمية

GMT 05:12 2020 الجمعة ,31 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الجنيه المصري مقابل الريال القطري الجمعة

GMT 04:32 2021 الأحد ,03 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تؤكد دعم ليبيا لإجراء الانتخابات في موعدها

GMT 08:26 2021 الإثنين ,21 حزيران / يونيو

استمرار حظر هواوي بأمر من محكمة فيدرالية أميركية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt