توقيت القاهرة المحلي 16:06:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن «الانسحاب الأميركي من المنطقة»

  مصر اليوم -

عن «الانسحاب الأميركي من المنطقة»

بقلم :حازم صاغية

تظهرُ في التَّحليلاتِ الغربيّة آراء وتقديراتٌ تدافع عن فرضيّة الانسحاب الأميركيّ من الشرق الأوسط. بعض هذه التحليلات تتحكّم فيه قراءة للمتغيّرات صحيحة وموضوعيّة إلى هذا الحدّ أو ذاك، وبعضها تستولي عليه الرغبويّة المناهضة إمّا للولايات المتّحدة وإمّا لدونالد ترمب وأمزجته، فيما البعض الثالث يعبّر عن ميل راسخ في الثقافة السياسيّة الغربيّة إلى نقد الذات، وصولاً في بعض الأحيان إلى التسربل بمشاعر الذنب.

والحال أنَّ الانتكاسةَ الأميركيّة في السنوات القليلة الماضية، والتي توَّجتها «مذكّرة التفاهم»، هي ممَّا لا يُماري فيه متابع عاقل.

مع هذا لا بدَّ من التنويه بأنَّ الانسحاب من مكان قد لا يكون بالضرورة هزيمة، والدليل أنَّ انسحاباً كهذا هو، في الولايات المتّحدة، مطلب مزمن لتيّار عريض ذي تقاليد صلبة يُعرف بـ«التيّار الانعزليّ»، وهو في الإدارة الأميركيّة الحاليّة يُمثَّل بمواقع في أعلى هرم السلطة، بما في ذلك نيابة الرئاسة. وهذا فضلاً عن أنّ ما افتتحته «مذكّرة التفاهم» لم يغدُ نهائيّاً بعد، فيما تغيّر العهود يغيّر الكثير من السياسات.

على أيّ حال فالذين يتحدّثون عن الانسحاب ويعدّونه هزيمة مطلقة يستعيدون من الماضي القريب صوراً كصورة الانسحاب البريطانيّ من الخليج («شرق السويس») في 1971، أو الانسحابين الفرنسيّين من الهند الصينيّة ثمّ من الجزائر، في أوائل الخمسينات وأوائل الستينات. لكنّ آخرين أشدّ توقاً إلى الملاحم والدراما يذهبون أبعد، فيستشهدون بانهيار الامبراطوريّة الرومانيّة وإمبراطوريّات أخرى. وبالطبع فكلُّ تضخيم لحجم الانسحاب، وتالياً الهزيمة، إنَّما يقود تلقائيّاً إلى تضخيم حجم الانتصار المفترض.

في هذا السياق تستعاد محطّات سياسيّة سابقة مهّدت، بما راكمته من فشل، لما آلت إليه الأحوال. فبحسب ستيفن كوك، في «فورين بوليسي» مثلاً، فشلت الولايات المتّحدة في العراق بعد 2003، وفشلت في إنهاء النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، وقس على ذلك من أفشال.

ومن غير إنكار محطّات الفشل تلك، فإنَّ ردَّها الحصريّ إلى الطرف الأميركيّ من دون توزيع المسؤوليّات على نحو عادل لا يساهم بتاتاً في تصويب الصورة. فهل يحجب الفشلُ الأميركيّ في العراق احتقانَ العلاقات الأهليّة وانفجارها بعد عقود من حكم البعث وصدّام حسين؟ وهل ينوب الفشل في توفير السلام مناب العمليّات الإرهابيّة التي شنّتها «حماس» وتوسّع الرقعة التي بات يشغلها في الحياة الإسرائيليّة أقصى اليمين...؟

هنا نبلغ بيت القصيد، وهو الاستنكاف السائد عن النظر إلى الداخل بأدواره وقدراته وتناقضاته وثقافته السائدة، والاكتفاء بالاصطهاج لمجرّد أن أميركا قد تنسحب، و«تجرجر أذيال الخيبة»، على ما يقول فصحاؤنا.

والحقّ أنّ تحديد المنسحب، وحتّى المهزوم نفسه، يبقى أقلّ أهميّة من تحديد المنتصر. ذاك أنّ الأوّل لن تلبث هزيمته، ذات التأثير الضخم، أن تتحوّل مع الزمن، وشيئاً فشيئاً، إلى ماضٍ وإلى تاريخ، فيما الثاني هو الذي يستولي انتصاره على المستقبل ويتحكّم فيه. فمن هو الطرف الإقليميّ أو العالميّ الذي سينتصر وينعكس انتصاره علينا إقلاعاً للتقدّم والتحرّر والسلام وامتلاك المصائر الذاتيّة؟

وإذا ذهبنا مع الافتراض القائل إنَّ أميركا ستنسحب و«تترك الأرض لأهل الأرض»، بات مُلحّاً أن نسأل عن القوى المحلّيّة المرشّحة، أو المؤهّلة، للحلول محلّها، وأهمّ من ذلك السؤال عن طبيعة العلاقات السائدة بين دول المنطقة، وعن العلاقات بين الجماعات الأهليّة في كلّ واحد من بلدانها، وعن نوع القوى السياسيّة والشعبيّة التي ستكون مهيّأة لسدّ فراغات لا بدّ أن يتسبّب بها الانسحاب والهزيمة الأميركيّان، وتالياً عن نوع الثقافة السياسيّة في منطقة سبق لها أن أنتجت «داعش» وسبي الإيزيديّات، كما أحلّت قوى سياسيّة أصوليّة في طائفيّتها محلّ أنظمة استبداديّة سقطت.

وقد يقال إنَّ انسحاباً أميركيّاً بطعم الهزيمة يُضعف إسرائيل، وهذا جيّد بما فيه الكفاية. لكنْ من هو حاليّاً الطرف الفلسطينيّ الذي يستفيد من إضعاف إسرائيل؟ وهذا ناهيك عن أنّ هذه مسألة واحدة مهمّة من مجموع المسائل المهمّة والكثيرة التي تواجهها شعوب المنطقة، تؤثّر فيها بالتأكيد لكنّها لا تلخّصها.

إلى هذا يطالعنا دوماً تفكير تآمريّ في لحظة متطرّفة من اشتغاله بالقول إنَّ الانسحاب الاميركيّ يحل مشاكلنا لأنّ الوجود الأميركي هو ما أنتجها أصلاً. وهذا، فضلاً عن زعم براءة مطلقة ترى في شعوبنا ملايين الملائكة الضحايا، لا يستوقفه للحظة حصاد «التحرّر الوطنيّ» البائس الذي رأى أنَّ علينا طرد المستعمر أو الغريب وكفى الله المؤمنين القتال.

وذلك، في أحسن أحواله، تفسير للعالم بسبب واحد وحيد، أو ما يسمّيه الدارسون Monocausalism، حيث ثمّة حتميّة اقتصاديّة أو سياسيّة، بيولوجيّة أو تكنولوجيّة، تقيم وراء كلّ شيء. وغالباً ما شغلَ هذا السَّبَبَ «رأسماليّون أشرار» أو «شيوعيّة هدّامة» أو «يهود» أو «مهاجرون» أو «مؤامرات أجنبيّة». ونحن لا نزال هناك، في ذاك الموقع، فيما بعضنا القليل يتمنَّى أن تنسحبَ من التَّداول طريقة التفكير هذه قبل أن تنسحب أميركا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن «الانسحاب الأميركي من المنطقة» عن «الانسحاب الأميركي من المنطقة»



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 04:19 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الحمل الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:18 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الحوت الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:41 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجوزاء الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:15 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الدلو الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:03 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد العقرب 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:49 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج السرطان الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 06:32 2026 الأربعاء ,15 تموز / يوليو

السعودية تمدد إغلاق مطارات أبها وجيزان ونجران

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt