توقيت القاهرة المحلي 05:09:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

... عن وحدة المجازر في منطقتنا

  مصر اليوم -

 عن وحدة المجازر في منطقتنا

بقلم:حازم صاغية

... عن وحدة المجازر في منطقتنا

إذا كانت الحروب والكوارث تهزّ الأفكار والقناعات، فكيف تمضي الحرب الراهنة في سبيلها من دون اقتراح يتعدّى السياسات المباشرة؟ فالمشرق يضمحلّ، ناهيك عن الألم الاستثنائيّ الذي يُنزله الإسرائيليّون بالفلسطينيّين، ومعه المهانات والخسارات في سوريّا ولبنان. وهذه كلّها تأمر بإلحاح الانتقال من صمت سائد لا يخترقه إلاّ إعادة تدوير الكلام القديم، إلى كلام يراجع ويحاول الخروج بتأويل مغاير للمنطقة ونزاعاتها، مصحوب باقتراحات قد تصدم المألوف. فكيف وأنّ الحروب والمقاومات التي كانت ردود المنطقة التقليديّة على الهزائم والتحدّيات، لم تعد اقتراحاً مقنعاً لأحد.

فـ«الإبادة» و«الجريمة بحقّ الإنسانيّة» و«جرائم الحرب» والممارسات العدوانيّة التي تُمارَس، أو يُهدَّد بها، لم تعد محصورة في نزاع واحد. والنزاع هذا، الذي تسبّب بالحرب الأخيرة، قد يكون أكثر النزاعات حدّةً ونفوراً، إلاّ أنّه يبقى جزءاً منها لا يتجزّأ. فللجريمة الجماعيّة عندنا تاريخ يمتدّ على قرن ونيّف، يمكن الوقوع عليه لدى مراجعة تاريخ الأكراد والأشوريّين والشيعة ثمّ السنّة والإيزيديّين العراقيّين، والسنّة والعلويّين السوريّين، والأرمن والأكراد الأتراك، والبهائيّين الإيرانيّين، ومساري الضمور المسيحيّ وما يقارب الاندثار اليهوديّ. وهكذا يغدو مهمّاً النظر إلى مسائل المنطقة بما يتعدّى الصراع مع إسرائيل وعدم معاملة هذا الصراع، رغم فظاعته، كحدث إحلاليّ فريد.

فربّما كان الأدقّ نظريّاً، والأفيد عمليّاً، إدراج النزاع المذكور، أو ما تبقّى منه، في لوحة الصراعات الأهليّة التي تعجّ بها منطقتنا وتكاد تدمّرها. وها هو المشرق، بدوله ومجتمعاته، ينتقل إلى مرحلة أعلى من التفتّت تمنح الإسرائيليّين حصّة في حياته العامّة وفي تقرير مصائره. هكذا يعلن الأخيرون، مثلاً، عن استعدادات لـ«الدفاع» عن دروز سوريّا وأكرادها، بعد تاريخ من مواقف مشابهة حيال مسيحيّي لبنان وأكراد العراق وسواهم.

وإذ ينتعش مجدّداً الكلام عن الطوائف والإثنيات وتواريخ عذاباتها وأرقام ضحاياها، تدفعنا نزاعاتنا إلى البحث عن حلول إجماليّة للمنطقة تقيم مقدّماتها في تلك الدرجة البعيدة من وحدة مشكلاتها.

أمّا رافضو هذه المقارنة المُصرّون على فرادة النزاع المذكور فقامَ سعيُهم على تحويله قضيّة أحاديّة وديانةً متعالية، فيما سدّوا، عقداً بعد عقد، طريق حلّه سياسيّاً. وتعزيزاً لهذه الفرادة، رُبط إنشاء إسرائيل بالمشاريع الكولونياليّة الاستيطانيّة في زمن اضمحلّت فيه الكولونياليّات الاستيطانيّة. ومع أنّ الجريمة تبقى جريمة، أكان منفّذها كولونياليّاً أم «أهلنا الطيّبين»، فإنّ مُنظّري الفرادة قدّموا، بتوكيدهم على الفرادة، شهادة أخرى على الميل الراسخ إلى عدم حلّ المشكلة. ذاك أنّ المقاربة تلك تنطوي، ولو من دون إفصاح عن ذلك، على فكرة إزالة إسرائيل طالما أنّها كولونياليّة، أي من رواسب ظاهرةٍ زالت، كونها ناشزة ومضادّة للطبيعة. وهذا ما قد يجد أصوله في شعار «تحرير فلسطين» القديم، والذي لو صُرف إلى دم لكلّف مئات آلاف القتلى في إبادة موصوفة.

فكيف حين لا يكون وصف الكولونياليّة الاستيطانيّة مطابقاً بالتمام للموصوف. فالأخير الذي تصحّ فيه حقيقة الوفادة من الخارج وطرد أغلب السكّان واقتلاعهم عام 1948، لا يصحّ ربط أفعاله بمشروع كولونياليّ كالذي كان يملي، في القرن التاسع عشر، أفعال الاحتلال والتهجير. فنحن هنا أمام أفراد وجماعات هاربين من اضطهادات أوروبا، بقيادة طرف اشتراكيّ وعلمانيّ رأى في تحويلهم من ضحايا إلى جلاّدين حلاًّ لمشكلتهم. وهم قاتلوا البريطانيّين كما ساوموهم، تماماً كما فعل الفلسطينيّون، وعند قرار التقسيم في 1947، ثمّ إعلان الدولة في 1948، وجدوا بين طليعة داعميهم ومُسلِّحيهم الاتّحاد السوفياتيّ – الدولة التي تزعمت «مناهضة الإمبرياليّة» يومذاك. أمّا «وعد بلفور» في 1917 (والترجمة الصحيحة التي تستبعد الإيحاء التآمريّ هي: تصريح بلفور Balfour Declaration)، فكان لكسب تأييد اليهود الأوروبيّين لبريطانيا في الحرب العالميّة، لكنْ قبل عامين، ولغرض مشابه، كانت مراسلات مكماهون والشريف حسين، حيث «وعدت» بريطانيا العربَ بدولة مستقلّة بعد الحرب مقابل انتفاضهم على السلطنة. وأمّا الفارق فإنّ أحد الطرفين «الموعودين» استطاع تحويله إلى واقع ماديّ، وهو ما لم يستطعه الثاني.

فوق ذلك فالإسرائيليّون الشرقيّون، السفارديم والمزراحي، المهاجرون من بلدان عربيّة ومسلمة، باتوا يعدّون أكثر من نصف اليهود في الدولة العبريّة. فإذا أضفنا إليهم خُمس السكّان الذين هم عرب فلسطينيّون، بات الحديث عن «غربة إسرائيل عن المنطقة»، بوصفها سمة كولونياليّة، حديثاً غريباً.

والإسرائيليّون اليهود، ومنذ أجيال، ليس لديهم وطن إلاّ إسرائيل، فيما لغتهم القوميّة، أي العبريّة، ليست اللغة القوميّة لأيّ بلد آخر. وهذه حقائق تكشف قلّة المعرفة بالدولة العبريّة التي زعم حسن نصر الله أنّ سكّانها سريعاً ما يغادرونها تبعاً لضعف تعلّقهم بها.

إنّنا نعيش في منطقة تريد أجزاؤها أن «تحرّرها» من أجزاء أخرى. وأغلب الظنّ أنّ التجارب والمعطيات تحضّ على التفكير بطريقة يُصار معها إلى مناقشة تلك المنطقة ومساءلة أوضاعها ككلّ، بما يتيح لجميع شعوبها وجماعاتها، وفي عدادهم طبعاً الفلسطينيّون والإسرائيليّون، العيش بسلام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عن وحدة المجازر في منطقتنا  عن وحدة المجازر في منطقتنا



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt