توقيت القاهرة المحلي 00:15:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة

  مصر اليوم -

البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة

بقلم :حازم صاغية

حين استولى شبّان «خطّ الإمام»، بُعيد انتصار ثورتهم، على السفارة الأميركيّة بطهران، فات الكثيرين أنّ الاستيلاء عمل تأسيسيّ لنظام ولطريقة حياة.

فهو أنكر مبدأ العلاقات الدبلوماسيّة وانتهك القانون. والإنكار يندرج في مدرسة تُعرف بالعدميّة، ومصدرُها العدم، فيما مُعادلها الأجنبيّ Nihilism مُشتقّ من Nihil اللاتينيّة، وتعني اللاشيء.

فالعدميّة تنكر الشرعيّة والمعنى الأخلاقيّ عن الترتيبات السياسيّة والمؤسّسيّة القائمة، مشكّكةً بصحّة مصادرها ومستسهلةً إطاحتها.

وبهذا تخالف العدميّة اتّجاهات راديكاليّة أخرى تقترح بدائل لوضع مرفوض، أكانت يساريّة كالماركسيّة والفوضويّة أم يمينيّة كالفاشيّة. فالمهمّ أن يقال: لا، وأن يُعمل بموجب هذه اللا، وفقط بعد ذاك نرى! وما دام العالم يضمّ أشياء غير جديرة بالحفاظ عليها، باتت شهيّة العنف الذي يُطهّره كبيرة وواسعة.

بيد أنّ من الصعب على العدميّ، حين يستحوذ على سلطة، كما الحال في إيران، أن يمارس عدميّته إطلاقيّاً. فهو يغدو مسؤولاً، يملك شيئاً ملموساً عليه أن يتعامل معه ويدبّره. ولأنّه لم يعد يتمتّع بترف النظر إلى العالم المحيط كمجرّد عدمٍ أو صفرٍ، أضحى مضطرّاً، بين حين وآخر، إلى الأخذ بالقاعدة الفقهيّة من أنّ «الضرورات تبيح المحظورات». غير أنّ الانتقائيّة العدميّة تتجاوز البراغماتيّة إلى الانتهازيّة تبعاً لصدورها عن اضطرار فرضته الحياة فيما الحياة، كما يُفترض، منحطّة وكريهة. ويمكن، من زاوية كهذه، التوقّف عند أفعال كـ«إيران غيت» في الثمانينات، أو صفقات متفاوتة الاهميّة أُبرمت، في هذا الوقت أو ذاك، مع «شياطين» كبرى وصغرى.

غير أنّ البُعد العدميّ عبّر عن نفسه مؤخّراً في عدد من المواقف. فطهران لم تعبأ بكون «مذكّرة التفاهم» مع واشنطن لصالحها، ولا استوقفها، في المقابل، أنّ التحوّلات اللبنانيّة والعراقيّة الأخيرة أحرقت «أوراقها»، ولا خاطبتها محاولات دول خليجيّة مساعدتها، ولا اهتمّت بالاستثمار في تناقضات البلدان الغربيّة. فهي، حيال تلك التطوّرات المتباينة والمتعارضة، اعتمدت استجابة واحدةً وحيدة هي التصلّب الذي يوسّع رقعة الأعداء ويقلّص رقعة الأصدقاء.

وهذا الموقف العدميّ من السياسة يكمّل نهجاً في النظر إلى الدول المحيطة، بل إلى مفهوم الدول.

فطهران حين تفكّر بلبنان والعراق واليمن فإنّما تفكّر بها كميليشيات كانت لها حصّة الأسد في صناعتها. ذاك أنّ الدول لا ينبغي أن توجد إلاّ كامتداد للميليشيات، أو تقاطُع معها، كما حال سوريّا الأسديّة. وهي حين تفكّر بدول الخليج المجاورة تلخّصها، وتلخّص مجتمعاتها، بردّها إلى مجرّد وظائف استراتيجيّة تُعاقَب بالقصف والترويع. وفي الحالتين فالدولة المثلى هي تلك التي يُنتف ريشها بحرمانها شطراً أساسيّاً من سيادتها، بحيث تغدو سيادة مشتركة، أو مجزّأة، أو متنازعاً عليها في الداخل أو مع الخارج.

ولئن طرح مفهومُ «الجوار» حسنَ الجوار، فهذا ليس تعبيراً إنشائيّاً، بل تعود جذوره إلى القانون الدوليّ وميثاق الأمم المتّحدة وعديد الاتّفاقيّات الثنائيّة والجماعيّة. ذاك أنّ حسن الجوار يتّصل تعريفاً بعدم تهديد الدول بالقوّة وتسوية النزاعات سلماً معها، وصولاً إلى التعاون في قضايا مشتركة. أمّا السلوك العدميّ فيرى إلى المصلحة بوصفها شيئاً يتحقّق بالإكراه والإلحاق، مكرّساً نبذ السياسة والدبلوماسيّة والقانون.

والحال أنّ أصل هذا الموقف استعماريٌّ مفاده أنّ الأمن والاستقرار الإقليميّين يتأتّيان عن توازن القوى ومناطق النفوذ وإلاّ فالاختراق الميليشيويّ، وليس عن التعاون وتبادل الثقة وشراكة المصالح.

وكمثل السياسة والدولة والدبلوماسيّة والقانون، لا يقيم السلوك العدميّ كبير احترام للمصالح الاقتصاديّة وللتجارة الدوليّة. هكذا يُغلَق ممرّ مائيّ للملاحة كمضيق هرمز ويُعمَل، عبر الحوثيّين، على إغلاق ممرّ آخر كباب المندب، فلا يقتصر الأذى على مصالح دول المنطقة بل يتعدّاها إلى مصالح العالم أجمع. ومعروفٌ أنّ إيران التي وقّعت على اتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار لم تصادق عليها، مُبديةً تحفّظات أساسيّة على بعض بنودها.

والعدميّة ذات بطن ماضويّ خصب. فما دام العالم القائم سيّئاً وكريهاً، بات استيراد العلاج من «الماضي المجيد» مهمّة مرغوبة. وكالاستيلاء على سفارة، يُعتمد على القرصنة أداة حيويّة واستراتيجيّة. وهو سلوك يعود إلى القرن السادس عشر، عدّه بعض مؤرّخي الاقتصاد من أدوات التراكم الأوّليّ لرأس المال، مثله مثل الغزو الاستعماريّ وتجارة الرقيق عبر الأطلسيّ والاستيلاء على الأراضي المشتركة والاحتكارات التجاريّة... ففي ذاك القرن استخدمت إنجلترا الأليزابيثيّة القرصنة ضدّ السفن الإسبانيّة، واستخدمتها هولندا حين ثارت على الإسبان. وفي منطقتنا، في القرن ذاته، منحت الولايات العثمانيّة في شمال أفريقيا تراخيص للقرصنة، ومارسها فرسان مالطا ضدّ العثمانيّين...

أمّا في الزمن الحديث فربّما كان من أبكر استعادات تلك الممارسة القديمة خطف الرعايا الأجانب في بيروت الثمانينات، ضمن جهد مشترك إيرانيّ – سوريّ تولّى «حزب الله» تنفيذه، تحصيلاً لتراكم أوّليّ لمكاسب سياسيّة.

لكنّ العدميّة لم تبلغ في السياسة والاقتصاد والقانون ما بلغته في الثقافة والقيم، حيث يُشاح النظر عن الحداثة وعالمها بتجرّؤ متماسك غير مسبوق يوصد الباب أمام كلّ تطوير يطال أنظمة الاعتقاد.

وكم يبدو ضحلاً أن يُردّ على ذلك كلّه بالقول: «لكنّ إيران تقاتل إسرائيل وأميركا»، أكان هذا صحيحاً أم لم يكن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt