توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

... عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا

  مصر اليوم -

 عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا

بقلم :حازم صاغية

ذكرى سنويّة أخرى لـ11 سبتمبر (أيلول) 2001 مرّت قبل أيّام، ولم يطرأ على تعاطينا مع الحدث تغيّر يُذكر. فمجدّداً استأثرت تداعياته، كغوانتانامو والحرب على الإرهاب، باهتمام يفوق الاهتمام به. والتداعيات خطيرة بالطبع، تستحقّ المراجعات الجدّيّة والنقد الصارم، إلاّ أنّ الأصل يبقى تلك العمليّة الرهيبة إيّاها. وفارق الأهميّة ليس كمّيّاً، ولا مجرّد فارق سياسيّ محض. إنّه يتجاوز ذلك إلى المسؤوليّة الذاتيّة، التي يُقاس تعافينا كشعوب على استجابتنا لموجباتِها. وهي علاقة على قدر من التأثّر والتأثير، بحيث يعبّر تقليلُ الاهتمام عن رفض الإقرار بالمسؤوليّة فيما يقود الرفض إلى إبطاء التعافي الذاتيّ، إن لم يكن إلغاءه.

ومعروفةٌ الحجّة التي تُرفع في تبرير سلوك كهذا حيال تطوّرات كبرى مشابهة: نحن (الفلسطينيّون، العرب، المسلمون، الفقراء...) ضحايا أفعالهم (الإسرائيليّين، الأميركيّين، الغربيّين، «البيض» الأغنياء...)، وبالتالي فأيّ نبش في الذات والضمير تنازلٌ عن الحقّ واعتذار من الجاني. ومَن يمتلئ إلى هذا الحدّ بحقّه، وهو حقّ مؤكّد، لن يبقى لديه ما يحمله على الإنصات إلى آلام الآخرين، وتثمين حياتهم، لا سيّما متى كان لأبناء جلدتنا «الضحايا» دور مباشر في الآلام هذه.

وبمعزل عن ترتيب درجات الأهميّة، ساد التعاطي إيّاه، المترجّح بين تأييد صاخب وصمت مُذعن، مع أفعال كخطف الطائرات المدنيّة، ومذبحة الرياضيّين الإسرائيليّين في ميونيخ عام 1972، والسطو على السفارة الأميركيّة في إيران عام 1979، وتفجير السفارات وخطف الأجانب في لبنان إبّان الثمانينات، وصولاً إلى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الشهير. ولم يقتصر الأمر على أحداث عنفيّة وأمنيّة كنّا نشجب، نحن الذين لا ندين إلاّ «العدوّ»، مَن يطالبنا بإدانتها. ففي الخانة هذه تُدرَج ممارسات لم تُثر لدينا احتجاجاً أو تأمّلاً من طبيعة فكريّة وضميريّة، فاقتصر الاحتجاج والتأمّل على أفراد قليلي التمثيل أو عديميه.

فتحت أبصارنا ظهرت «داعش» وسُبيت النساء الأيزيديّات وأعيد الاعتبار إلى أسواق النخاسة، وقبلذاك ضُرب الكرد العراقيّون في حلبجة بالكيماويّ، ولعقود استمرّ النزيف السكّانيّ الذي أصاب المسيحيّين العرب، وهو ما سبقهم إليه اليهود العرب. ولم تكن قليلة الشعبيّة عربيّاً أنظمة كالخمينيّ والصدّاميّ والأسديّ التي فتكت بأجساد أبنائها وعقولهم، ومارست العدوان على جوارها، لمجرّد أنّها «تقاتل الغرب». وفي العراق سطعت مطحنة دمويّة وطائفيّة أثارت حماسة الجمهور وحماسة التلفزيونات بوصفها مقاومة، ثمّ أُهدي البلد الكبير، بوعي وإرادة ذاتيّين، إلى إيران. وتفسّخت ثورات «الربيع» توطيداً لأسوأ ما انتُفض عليه أو حروباً أهليّة صنعناها بأيدينا ونسبناها إلى «آخرين» يتلاعبون بنا. وعبرَ «حزب الله» حدود بلد يُفترض أنّه ذو سيادة للمشاركة في ذبح السوريّين.

وهذه ليست صدفاً مبعثرة ولا «أخطاء» تنعدم الصلة بين واحدها والآخر.

فتحت أنظارنا أيضاً تفنّن ممثّلون عن المجتمعات، لا الأنظمة، في محاولة ذبح نجيب محفوظ وقلع عين سلمان رشدي وقتل فرج فودة وإرهاب مثقّفين غايرتْ آراؤهم الرأي الجماهيريّ الغالب. وبدوره مرّ مرورَ الكرام إغلاقُ نافذة فتحها لبنان على الحداثة والحرّيّة. أمّا أحوال النساء فلا بأس بها طالما أنّ مؤسّسيها وحرّاسها ليسوا «مستوطنين كولونياليّين». فإذا وُصفت أوضاعنا بما هي عليه بدّدنا المسؤوليّة عن تغييرها بردّها إلى «المستشرقين» و»منظورهم الاستشراقيّ».

هكذا برهن تاريخنا الحديث، أقلّه في المشرق العربيّ، أنّ الشيء الوحيد الذي يُلهب المخيّلة ويعبّئ المشاعر هو الصراع مع «الآخر» الأجنبيّ، ومع «الآخر» المحلّيّ الذي ترسمه ثقافتنا السائدة امتداداً للأجنبيّ، وهو ما يُقصد به ابن الجماعة الأهليّة المختلفة أو ابن جماعتـ»نا» المنشقّ عنها.

وعملاً بالنهج هذا لم يُحرم المشرق ظهورَ طبقة سياسيّة مستقرّة فحسب بل حُرم السياسة استطراداً، بوصفها الحائل دون حروب أهليّة إن لم نغطس فيها أقمنا على تخومها. وتحت سقف منخفض مُتاح للشكّ عِشنا ونعيش في يقين متآكل ومصاب بالصدأ، يقينٍ يضيّق فسحات الإبداع ويُفقر اللغة كما يمنع بلداننا من الإسهام في علوم العالم وفلسفاته سواء بسواء.

وشيوع النظرة الضدّيّة هذا، في مجتمعاتنا وثقافاتنا قبل دولنا، وسيادة ثنائيّات الخير المطلق الذي فيـ»نا» والشرّ المطلق الذي فيـ»ـهم»، ليسا بلا تاريخ محدّد يردّه البعض إلى «صدمة» الاحتكاك بالغرب المتفوّق في القرن التاسع عشر. فمع الهزائم العسكريّة، وخسارة الأراضي، واضطرار السلطنة العثمانيّة إلى الأخذ بـ»التنظيمات»، وظهور أفكار كـ»الجامعة الإسلاميّة» لعبد الحميد الثاني وجمال الدين الأفغانيّ...، لم يبق خارج النظرة الضدّيّة إلى العالم إلاّ القليل. وكان في عداد الخسائر تراجع الرحابة الكونيّة للأديان والقيم، واضمحلال التأمّل في الوعيين المدنيّ والدينيّ، وضمور الإنتاج الأخلاقيّ حيال ما لا يملك مردوداً مباشراً على القوّة وشروط التغلّب. وفي غياب هذا كلّه طغى التحزّب ذو الأفق الضيّق الذي يستجيب امتلاءنا بحقّنا وبمظلوميّتنا الفريدين. وكان من بؤس الأزمنة أنْ تُرك لنتنياهو ولفيفه، الذين يحملون وعياً لا يبعد كثيراً من هذا الوعي، أن يدفعوا جوارهم، وعموم المنطقة، إلى التثبّت عند تلك الأفعال والتصوّرات التي تستنير بعتمها الشامل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا  عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt