توقيت القاهرة المحلي 13:00:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البديل الحوثي للبنان...

  مصر اليوم -

البديل الحوثي للبنان

بقلم:حازم صاغية

يشبه الحوثيّون مُلاكماً كلّما عزم على توجيه ضربة إلى خصمه انهالت عليه ضربات الخصم المُهلكة. لكنّه، على رغم انكسار أنفه وانقلاع عينه وهطول الدم منه مدراراً، ظلّ يأبى النزول عن الحلبة.

سلوكٌ كهذا يحيطه الممانعون بكلّ التمجيد والإكبار. فبقاء الحوثيّين على الحلبة بالشروط الموصوفة أعلاه إنّما هو، في عرفهم، شرف وكرامة ودفاع عن غزّة وتضامن مع فلسطين. أمّا الإنجازات الفعليّة التي تكافئ تضحية الحوثيّين ببلدهم وشعبهم فلا تتعدّى إطلاق صاروخ غالباً ما يُعتَرَض، أو دفع إسرائيليّين إلى إطلاق صفّارات إنذار، أو إنزالهم مدّة ساعة إلى الملجأ، أو في الحدّ الأقصى، تهديد الملاحة الدوليّة... طبعاً «من أجل فلسطين»! لكنّ النتائج، في الأحوال جميعاً، غير مهمّة قياساً بالسعي والمبادرة والنيّة.

وفي كلّ يوم يطالعنا وجهٌ من وجوه «حزب الله» ولفيفه الممانع يأخذ على الدولة اللبنانيّة تقاعُسها عن المسؤوليّة ورضوخها للاحتلال. وغالباً ما يترافق هذا التشهير مع تشهير آخر بكلّ تعويل على السياسة والديبلوماسيّة في مواجهة الإسرائيليّين. لكنْ لمّا كان الحزب نفسه يئنّ تحت وطأة هزيمة عسكريّة موجعة، فيما الجيش اللبنانيّ غير مؤهّل لمواجهات من هذا الصنف، ولمّا كان المجتمع اللبنانيّ بأكثريّته الكبرى عازفاً عن الحروب، غير مقتنع بجدواها، بات البديل الحوثيّ للبنان هو بالضبط ما يقترحه هؤلاء المشهّرون. هكذا لا يبقى سوى الاستهانة بحياة أبناء شعبهم فيما يمضي «التضامن» مع غزّة وفلسطين بلا أيّ تأثير على معاناة الغزيّين وعموم الفلسطينيّين. فوق هذا، يعاد اختراع لبنان بلداً نافراً في محيطه وفي العالم، تماماً كما هي حال الرقعة اليمنيّة التي يحكمها الحوثيّون على نحو غرائبيّ.

والحوثيّة تعني، في ما تعنيه، اشتقاق المجد البطوليّ المزعوم من العجز والتصدّع اللذين أنتجهما انشقاق البلد وحربه الأهليّة وتجويع سكّانه، وبالتالي استمداد القوّة، أو ما يتراءى أنّه قوّةٌ، من ضعف يستحيل التستّر عليه وكتمانه. فالميل الحربيّ ذو البعد الانتحاريّ هو ما تلده الحال البائسة لنظام لا تُبقيه على قيد الحياة إلاّ الحرب. فإذا قضت عليه تلك الحرب يكون قد أتمّ واجبه بأن سقط شهيداً على نحو يُصوَّرُ موتاً بطوليّاً.

وربّما كان في الأمر بُعد ضامر آخر هو الدفاع عن عالم وماضٍ باتا مستحيلين، هما، في هذه الحالة، الإمامة الحميديّة التي أطاحها انقلاب عسكريّ في 1962 واستمات الحوثيّون دفاعاً عنها.

وفي الدفاع عن عالم وماضٍ ميّتين كان الروائيّ اليابانيّ يوكيو ميشيما قد أنهى حياته في 1970 عبر موت بطوليّ وطقسيّ دفعه إليه ولاؤه لليابان القديمة التي «لوّثها» التحديث والتغريب. فعلى رأس أربعة انتحاريّين مثله نفّذ عمليّة انقلابيّة توهّم أنّها تعيد بلاده إلى ماضيها المقدّس. فحين فشلت تجربةٌ لم يكن مقدّراً لها إلاّ أن تفشل، ألقى خطبة عصماء وقطّع أحشاءه.

كذلك كان الانتحار الجماعيّ الذي حلّ بـ»معبد الشعب» في جونزتاون بغويانا عام 1978. فهناك أريدَ تطبيق تعاليم فرقة دينيّة مهووسة، ودُفع ذاك التطبيق حتّى نهاياته القصوى. يومذاك تعدّى رقم الضحايا الـ900 شخص، كانت نسبة معتبرة منهم أطفالاً سُمّموا «إرضاءً لله».

ووفق صور خرافيّة كهذه عن العالم، تنحسر أهميّة التمسّك بالحياة، والسعي وراء نموذج أفضل من نماذجها. فالوحش أو الشرّ لنا بالمرصاد، لا تردعه سياسة ولا ديبلوماسيّة ولا شيء آخر نفعله. هكذا لا يبقى لنا إلاّ أن نصرخ: طاب الموت، تماماً كما صرخ الحوثيّون ويصرخون.

وفي موازاة العدّ العكسيّ نحو موت موصوف بالبطوليّة، يحوّل الحوثيّون الرقعة الجغرافيّة التي يسيطرون عليها إلى أضحية على مذبح النظام الإيرانيّ بوصفه الطوطم الأعلى الذي يطيب الموت دفاعاً عن مصالحه. هكذا يغدو البديل الحوثيّ للبنان واللبنانيّين أقرب إلى دعوة للإقبال على الموت كرمى لمصالح الدولة الإيرانيّة ولعدد من الحسابات المجنونة الأخرى. وكان «حزب الله»، إبّان قوّته، مؤسّس هذه المدرسة التي ورث الحوثيّون تعاليمها حتّى باتوا السبّاقين في سباق الممانعين العرب إلى موت مجّانيّ.

على أنّ اقتراح البديل الحوثيّ، مع ما يرافقه من عنف وفقر وتضحيات، يستدعي إشاعة وعي ذُعريّ (alarmist) يقنعنا بأنّنا فعلاً أمام خطر وجوديّ داهم يستحيل اجتنابه. هكذا يُستبدل مبدأ السببيّة، وارتباط كلّ حدثٍ يحدثُ بسبب ما، بجوهر متأصّل يقيم في عدوّ لا بدّ أن يهاجمنا ويغزونا، أكان ذلك بعد «حرب إسناد» أو من دونها.

والحال أنّ للتفكير الخرافيّ هذا أصولاً دفعتها الحرب الأخيرة نحو محطّة أشدّ احتداماً ودراميّة وخطورة. ذاك أنّ اللبنانيّين عُرضت عليهم، في عقود سابقة، نماذج طُلب منهم أن يقتدوا بها. هكذا اقترح البعثيّون عليهم نموذجي سوريّا والعراق البعثيّين، واقترح الشيوعيّون نماذج كانت تنتشر ما بين اليمن الجنوبيّ وبلغاريا وكوريا الشماليّة، وبالطبع مكث النموذج الإيرانيّ الخمينيّ نموذجاً أمثل يلوّح به الخمينيّون...

ولربّما كان الفارق بين البديل الحوثيّ والبدائل السابقة أنّ الموت، هذه المرّة، أضمن وأسرع بلا قياس.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البديل الحوثي للبنان البديل الحوثي للبنان



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt